تجربة حياة..أبي... ساحر؟

 بقلم : فايل المطاعنى 

ثمة لحظات تمرّ على الإنسان، تكاد تمزق روحه من فرط الأسى، وتعيد تشكيله من جديد. لحظات لا تُكتب بالحبر، بل تُنقش على جدران القلب بندوب لا تزول. هذا الفصل ليس مجرد نهاية، بل شهادة على وجع دفين، وصرخة في وجه الجهل، وحنين موجع لأبٍ خُذل حين ظنّ أبناؤه أن السحر أقوى من المحبة، وأن الجن أصدق من العقل.

في ليلةٍ غاب فيها القمر، وانطفأ نصفُ نور الشارع بسبب عطل أصاب المولّد الرئيسي، رنّ هاتفي فجأة. كانت "سهام" على الطرف الآخر، بصوت مرتجف وقلق قالت:

"هل أنت مستعد... لتقابل ساحرًا؟"

قالتها وكأن الحروف تخنقها، بينما أنا، بحماسةٍ مشتعلة أجبتها:

"نعم، مستعد تمامًا."

قالت: "إذن، خلال عشر دقائق سأكون عند الشارع الرئيسي بجوار منزلك."

أغلقت الهاتف، وتهيأت... وكأنني ذاهب إلى مواجهة قد تغيّر شيئًا في مجرى حياتي.

ركبت السيارة، وجلست إلى جوار امرأة شاء القدر أن تجمعنا ليلةً واحدةً من أجل كشف الحقيقة. لم نتبادل الكثير من الحديث، إذ كان كلٌّ منا غارقًا في شروده. حتى وصلنا أخيرًا إلى "البيت".

كانت فيلا فسيحة، لكن ما أثار استغرابي أن الضوء كان منبعثًا فقط من غرفة واحدة.

سألتها بدهشة:

"لماذا غرفة واحدة فقط مضاءة؟"

همست بخوف وهي تلتفت حولها:

"تلك غرفة والدي... أخوتي وزوجي حبسوه فيها. لا يُسمح له بالخروج. أما باقي العائلة، فقد هجرت البيت وانتقلت إلى منزل آخر."

وفجأة، عبرت قطة مقطوعة الذيل طريقنا. تراجعت "سهام" مذعورة وقالت:

"ادخل بسرعة! إنها الحارسة، إحدى الساحرات!"

نظرت إليها غير مصدق، فكل ما رأيته كان مجرد قطة هزيلة، تبحث عن فتات الطعام. أما سهام، فقد كانت تؤمن تمامًا بما تقول، كأنها أسيرة قصة لا تعرف كيف تخرج منها.

دخلنا إلى الغرفة، وهناك... كان يجلس والدها. رجل ساكن، هادئ، يكسوه الخوف.

اقتربت منه وقلت بلطف:

"أنا فايل... جئت لأقول لك إنك لست ساحرًا.

أنت... والدي."

نظر إليّ طويلاً، ثم بكى.

أمسكت يديه، فلم أجد بهما يدَ مشعوذ، بل يدَ أبٍ خذله الجميع.

قبلت تلك اليد، وفعلت "سهام" مثلي، فغمرته نظرة حنونة، نظرة من يعرف أن من حوله قد بدأوا يرونه أخيرًا.

وقبل أن نغادر قلت له:

"أنت والدي، لستَ ساحرًا. أنت ضحية جهلٍ، وذنبُك الوحيد أن أبناءك لم يفهموك."

خرجنا. ساد بيني وبين "سهام" صمتٌ ثقيل، صمتٌ لا تحمله إلا الأرواح المثقلة بالندم.

وعند الوداع، همست لها:

"اعرضي أباك على طبيب نفسي، لا تتركيه."

قالت: "أخوتي يرفضون، ويقولون فيه جني."

صفقتُ كفًا بكف، وقلبي يتمزق.

بعد ثلاثة أيام، اتصلت بي "سهام"، تبكي بحرقة:

"أبي مات..."

قلت مصدومًا: "كيف؟!"

أجابت: "في اليوم التالي لزيارتنا له، جاء دجّالٌ، استدعاه إخوتي وزوجي... وبدأ يضرب والدي ضربًا مبرحًا، بحجة إخراج الجني... حتى لفظ أنفاسه."

لم أجد ما أقوله...

سكتُّ، وسكن لساني، وكلّي حسرة على رجلٍ مات لأنه كان مختلفًا، ولأنه احتاج إلى احتواء فوجد سياط الجهل بدلًا من دفء الفهم.

مرت ثلاث سنوات...وفي إحدى الأمسيات، رنّ هاتفي من جديد.

كانت "سهام"، بصوتٍ دافئ هذه المرة، تقول:"أبي يسلم عليك

زارني في الحلم، وقال لي: بلّغي فايل مني السلام... أنا في مكانٍ أفضل، أفضل من عالمكم بألف مرة."

الخاتمة:

قد تبدو هذه القصة من حكايات ألف ليلة وليلة، لكنها واقعية بكل تفاصيلها المؤلمة. سيقول البعض إن الكاتب يبالغ، ولكنّي أقول:

أنا لا أكتب من خيالي، بل من تجارب علمتني أن الحياة ليست دائمًا عادلة، وأن الجهل أحيانًا أفتك من السحر.


هذه إحدى تجاربي، تجربة نحتت في ذاكرتي وجعًا لا يُنسى.

أنا كاتبٌ كُتب عليه أن يحمل وجع الناس في قلمه... ويبوح.


ولنا في الحياة تجارب لا تُنسى...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرأة ليست سلعة للتسويق

قلب مطمئن ونفس راضية

وميض مياسة