جناية الدم والمخفي من التاريخ.. قراءة في الأبعاد السيكو-سردية للكاتب فايل المطاعني
عمار عبد الواحد ـ بغداد
نتناول في هذا الموضوع قراءة فنية مهمة تسلط الضوء على الأبعاد السردية والسيكولوجية لقصة "لغز اغتيال عائشة" للكاتب فايل ابن سريد المطاعني، مستعرضين البنية الدرامية وتداخل الخيوط البوليسية بالعمق الإنساني، وكيف نجح النص في توظيف حركة الشخوص لخدمة فكرة العدالة والغموض.
تنهض قصة "لغز اغتيال عائشة" للكاتب فايل المطاعني كبنية سردية تنتمي إلى أدب الجريمة والغموض، لكنها تتجاوز الهيكل التقليدي للمطاردة البوليسية لتدخل في سياق تشريح السلوك البشري وفحص العلاقات الاجتماعية العابرة للحدود. يختار الكاتب منذ البداية جغرافيا مركبة تجمع بين تونس العاصمة كمسرح رئيسي للأحداث، وسلطنة عمان كعمق أمني وتحليلي، مما يضفي على النص صبغة عربية مشتركة تمنح حبكة التحقيق أبعاداً لوجستية وإنسانية تتجاوز النطاق المحلي الضيق.
من الناحية الفنية، يعتمد المؤلف على استهلال مشحون بالتوتر الارتدادي يعزز مناخ التشويق. فاختيار "حي النصر" الراقي في تونس ليكون مسرحاً للجريمة يمثل صدمة واعية للمتلقي، إذ يكسر السكينة المزيفة التي تحيط بالطبقات المخملية. تتجلى وحشية الجريمة ليس فقط في تعدد الطعنات، بل في القطع الطولي الذي استهدف منطقة القلب؛ وهي دلالة رمزية وسيكولوجية بالغة العمق وضعها المؤلف ليشير إلى أن دافع القتل ليس مادياً أو عابراً، بل هو رغبة عارمة في انتزاع سر أو تصفية حسابات شخصية بالغة القسوة. هذا التشويه المتعمد للجثة أخرج القضية فوراً من احتمالات الانتحار أو السرقة, ليضعها في خانة "الجريمة العمدية المكتملة الأركان" المدفوعة بالانتقام الممنهج.
تتميز الرواية بتقديم ثنائيات درامية وإنسانية تمنح الشخوص أبعاداً واقعية ملموسة. فمن جهة، نرى النقيب "سامح" الذي يمثل صرامة المؤسسة الأمنية، لكنه يعيش في المقابل صراعاً داخلياً خفياً مع زوجته "نوال". هذا البعد الاجتماعي يوضح ضريبة العمل الأمني التي تدفعها العائلة من استقرارها وعواطفها؛ فبينما يحتفل الزوجان بعيد زواجهما، يتدخل "وميض الهاتف" ليقطع هذه اللحظة الحالمة، محولاً رجل التحري من شريك عاطفي إلى آلة بحث جنائي لا تملك وقتها أو حياتها. وفي المقابل، تبرز شخصية الزوجة التي تلعن "اللصوص والأشقياء" الذين لا يتركون فرصة للصالحين كي يسعدوا، مما يضفي عمقاً درامياً واقعياً يلامس الجانب الإنساني لرجال الشرطة.
أما على صعيد البناء التحليلي، فإن النقلة النوعية في السرد تتجلى مع دخول الفريق الجنائي العماني بقيادة العميد "حمد" والنقيب "منى". هنا، يفلح الكاتب في توظيف "الحس الأنثوي الفطري" ممثلاً في ذكاء النقيب منى ليكون المفتاح الحقيقي لفك طلاسم القضية. ففي الوقت الذي غرق فيه التحقيق التقليدي التونسي تحت وطأة الأدلة الظاهرية والتقارير المحكمة التي تدين والد الضحية، الدكتور سامي، بسبب ارتباكه وعجزه عن إثبات وجوده ليلة الحادثة، ذهبت منى برؤيتها الثاقبة نحو العمق السلوكي والوثائقي.
التقاط النقيب منى للتناقض الصارخ في التواريخ والأوراق الرسمية (عمر الضحية ثلاثة وعشرون عاماً، بينما عمر زواج والديها تسعة عشر عاماً) يعد التفاتة بوليسية بارعة من الكاتب حوّلت مجرى الحبكة تماماً. هذا الفارق الزمني (أربع سنوات) فجّر فرضية جديدة تؤكد أن الجريمة ليست بنت لحظتها، بل هي ابنة ماضٍ سري قديم، وأن صمت الدكتور سامي وتحمله لضغط التحقيق ليس دليلاً على إدانته، بل هو تضحية واعية لحماية شخص آخر أو للتستر على سر عائلي يخص هويته أو علاقاته السابقة كـ"زير نساء".
أسلوب الكاتب فايل المطاعيني يمتاز بلغة أدبية حديثة ورصينة، تتأرجح بنعومة بين الجدية العسكرية والحوارات اليومية العفوية؛ كالحوار الساخر بين منى وصديقتها هدى حول العزوبية والزواج، وهو ما يخفف من حدة الأجواء المشحونة بالدماء والمقابر. كما أن تسريع وتيرة الأحداث عبر تصفية الشاهد الوحيد، الطالب العُماني "ناصر"، أضفى عمقاً تراجيدياً على النص وأعاد التحقيق إلى نقطة الصفر، ليرسخ القناعة بأن القاتل يتحرك بخطوات استباقية مرعبة.
إن "لغز اغتيال عائشة" يقدم رؤية فنية ناضجة في أدب الجريمة؛ حيث تلتحم الصرامة المهنية بالحدس الإنساني، لتؤكد السطور في النهاية حقيقة فلسفية ثابتة: أنه لا توجد جريمة كاملة، وأن خلف كل رداء اجتماعي أنيق قد تختبئ ثقوب سوداء يصنعها الماضي، وتكشفها نباهة العدالة.

تعليقات
إرسال تعليق