حارس المقبرة الفصل التاسع عشر: ندمُ الأحياء
بقلم: ناصر بن محمد الحارث ي كانَ عادلٌ يمارسُ عملَهُ المعتادَ في المقبرةِ بعدَ طلوعِ الشمسِ، ولكنْ بقلبٍ مختلفٍ؛ قلبٍ يرى كلَّ قبرٍ ككتابٍ مفتوحٍ للحكمةِ. لقدْ ظلَّ عادلٌ حارساً مُنتبهاً لرسائلِ المقبرةِ الصامتةِ. في ذلكَ اليومِ، لمْ يَرَ عادلٌ نوراً خافتاً ولا روحاً مُحلقةً، بلْ رأى مشهداً لمْ يكنْ يتوقعهُ: إنساناً حقيقياً. كانَ شاباً في مقتبلِ العمرِ، يرتدي ملابسَ أنيقةً، لكنَّ وجهَهُ كانَ مُشحباً بالهمِّ. كانَ يقفُ أمامَ قبرٍ حديثِ العهدِ، يُرجّحُ أنهُ قبرُ والدِهِ، ويبكي بكاءً شديداً ومُتقطعاً، ليسَ بكاءَ الفقدِ العاديِّ، بلْ بكاءَ الندمِ الذي يُحطّمُ الروحَ. اقتربَ عادلٌ دونَ أنْ يُحدثَ صوتاً، واستمعَ لِما يقولُهُ الشابُّ بصوتٍ مُختنقٍ وهوَ يتحدثُ إلى القبرِ: "سامحْني يا أبي... يا ليتني لمْ أعصِ لكَ أمراً. لقدْ كنتُ الابنَ العاقَّ الذي لمْ يسمعِ النصيحةَ، واليومَ، القبرُ هوَ الذي يتكلمُ، لكنْ بصمتٍ قاتلٍ! لقدْ أهملتُكَ وظلمتُ نفسي وكلَّ منْ حولي، وتكبرتُ على نصيحتِكَ، فأنتَ لمْ تُقصرْ في تربيتي على الأخلاقِ الفاضلةِ، لكني كنتُ لا أنصتُ لِما تقولُ، واليومَ أنا نادمٌ أشدَّ ...