حكايات من الواقع الحكاية الثانية : التحية العسكرية
بقلم : الدكتورة ريم الحشار
في صباحات السابع عشر من سبتمر وقبل سنيينٍ مضت. أفقت وأبتسامتي تتلغب على مكر النعاس. والذي كان يراودني ويغريني لاكمال النوم والتمتع بنعمة العيشه الهنية. فما كان مني لرد مكره سوى ان ألجأ الى وسائل التواصل الاجتماعي لمتابعة الجديد في الساحه الاجتماعية المحلية والخارجية.
وقد شد إنتباهي؛ منشور إعلاني لإحدى الزميلات في المجال الطبي؛ والذي يدعوا ل “تحسين التشخيص من أجل سلامة المرضى” وذلك بمناسبة اليوم العالمي لسلامة المرضى. واجترت الذكرى علاقة السفر بسلامة المرضى. فقد هيّأ السفر لي أسباب عديدة للإنبساط والإستمتاع، كما اداه من ادوات تحسين المهارات الشخصية لي كطبيبة. فقد كنت أدمج فيه بين الاستمتاع والإستفادة العلمية. ولا ينكر أحد منا ما للسفر من أثر نفسي في تسلية الروح وتجديد الطاقة الحيوية والفكرية معًا.
ودائما ما كانت تلهمني هذه الاجواء وتستثير القريحة. ففي إحدى قرى الريف الإيطالي والتي أستمتعت فيها بجمال الطبيعة ولذة المخبوزات الممزوجة برشفة من القهوة الايطالية، جادت عليَّ القريحة بكلمات تأبى فُراق اللحضة.
فقلت في سطور:
أحتَلي حلوى الفُراقِ بِمُفرَدي
وأَرتَجي يومَ لُقياكِ بِأعيوني
ذَابَ الفُؤادُ وإعتَمى نَاظِري
وسَابَ الفِكرُ في حَنينِ أَشواقي
وبعد هذه المقدمة، يأتي السؤال: ما هي علاقة السفر بسلامة المرضى والتشخيص السليم، في هذة الحكاية؟
لتبدأ الحكاية بذكرى العم ابو فهد، والذي تحولت علاقتي به من النفور المُقلق إلى التجليل بالتحية العسكرية!
فما هي الحكاية ؟
بدأت معرفتي بالعم أبو فهد عندما كنت أعمل كطبيبة ممارسه للطب في المؤسسات الصحية. كانت من اختصاصات المؤسسة الصحية؛ متابعة صحة الأسر في رقعة سكانية محددة. وتشمل هذه المتابعة تفقد دوري لتحسين مستواهم الصحي والإجتماعي والبيئي، لما لهذة المتابعة من اثر على رفع مستوى رفاه الفرد في المجتمع.
وقد كان العم أبو فهد أحد أفراد المجتمع الذي يتبع للمؤسسة الصحية وكان يعاني من إحدى الأمراض المزمنه، والتي تستدعي فحوصات دوريه او سنويه. والتي لم يسبق لأحد أن اخبره بضرورة هذا الاجراء الدوري لصحته.
كان العم ابو فهد رجل طاعن في السن، طويل، عريض المنكبين, به لحية يتخللها الشيب، وكان يرتدي نظاره سميكة لتحسين النظر. كان بشكل عام بصحه جيده. وفي إحدى زياراته الخاطفة لنا في المؤسسة الصحية وداخل غرفة العلاج؛ إبتسمت له بكل بشاشة و ترحيب وكان يرد الترحيب بنفور واشمئزاز؛ فقد كان لقائي الاول به كطبيب معالج.
فقلت له: عمي أنت تعاني من مرضٍ مُزمن.
رد وقال: أعرف
قلت: وتحتاج إلى فحوصات دم دورية
واذا ببركان فائر، وثوران، وصوت عالي يقول: انا سليم ، ولا اشكو من علّة، أنتم من يريد لي المرض وتسببون لنا المرض، أنا لا اشكو من علّة ولست مصاب بشئ!
واستمر في تعنته الرافض، ونفورة الهائج وقال؛ ذهبت إلى كل المستشفيات ولم يذكر لي أحد انني أحتاج لأي شي. انا سليم؛ وأتبعها وقال: أنتي دكتورة صغيرة قليلة الخبره ولا تعرفين شئ!
كان الحوار معه شبه مستحيل، وإقناعه أصعب؛ وتنافرنا حتى بدى للناظر أن الاختلاف واضح. وكان المشهد يُنذر بقرع طبول حرب البسوس في العيادة.
ورغم تعنته وفورانه؛ فقد سجلت له طلب لاخذ الفحوصات اللازمة وطلبت منه ان يراجعنا في وقتٍ لاحق، ولكن؛بدون جدوى! فلم يسمح لنا بأخذ عينة الدم وغادرنا وهو عابس، ولم يعاودنا لناخذ العينات المخبرية اللازمة.
بعدها وفي يوم من الايام؛ زارنا مع إبنته في الفترة المسائية. وكانت به حمى طفيفه وضغطه عالي جدا.
وهنا سأعود لتفصيلة ذكرى السفر! فقد كنت قبلها بأسابيع عائدة من سلطنة بروناي، وهي دولة استوائية في شرق أسيا. وقد إرتحلتُ إليها برغبةٍ وجهدٍ شَخصي للإستثمار والتطوير العلمي والوظيفي للتقديم على اختبار الزمالة البريطانية للطب العام والذي سبقه تحضير إستعدادات تدريبيه نظرية واكلينيكية (سريرية وعلاجية).
وكانت سلطنة بروناي تتميز بجوها الاستوائي الماطر؛ وهو أحد اسباب تفشي مرض الحمى الصفراء في تلك البقعة الجغرافية وهو مرض نزيفي فيروسي حاد ينتقل بواسطة البعوض!
ورغم الإستعدادات التدريبة الكبيرة للإختبار، ولكنني غفلت عن التبحر في علم الوبائيات والخاص بالأجواء الاستوائيه والرقعة الجغرافية التي تنتمي لها سلطنة بروناي. وفي الاختبار الاكلينيكي السريري- والذي كان لا يحتم على المُختبر (الطبيب) الوصول للتشخيص النهائي في الاختبار؛ وإنما يحتّم علينا أخذ تاريخ مرضي مُفصّل عن المريض، للتوصل لأقرب تشخيص للعوارض المرضية؛ وهذا ما يسمى في الطب بالتشخيص المبدئ. ثم علاج العارض او تحويل المريض للمختصين بناءً على تحليل الطبيب المبدئ. وقد تفاجئت في الاختبار بإحدى الحالات والتي تشكي عوارض حمى لا تنخفض بالمسكنات الحرارية! والتي علمت لاحقًا من زملائي انها حالة اختبار لتعامل الطبيب مع شخص مصاب بالحمى الصفراء!
وعودةً للعم ابو فهد؛ فقد كانت تسبق زيارته لي في تلك الليلة زيارات للعيادة بنفس الشكوى مع أطباء أخرين. وكانت شكواه المتكرره هي حمى لا تنخفض بالمسكنات الحرارية! وعند زيارته لي في العيادة، عادت الذكرى لبروناي، والتدريبات المكثفه التي تعلمتها عن التاريخ المرضي. ومما ساعدني على التركيز يومها؛ ان العم ابو فهد كان أقل حدة في الحديث _نوعا ما _ وكان متجاوب في الرد على أسئلتي بعكس المعتاد! واعتقد انه كان منهكًا من شدة الحمى رغم ثبات شخصيته الجامحه.
وكان التحدي الذي كان يمتلكني؛ هو عدم وجود أي فحوصات ونتائج سابقه للعم ابو فهد، وكان المختبر الطبي قد أغلق شُباكه للفحوصات المبدئية. وبعد توسّل للعم ابو فهد وإبنته، إقتنع أن يتم تحويله لقسم الطوارئ التابع للمستشفى المرجعي. لإجراء بعض الفحوصات المخبرية الضرورية التي إستشعرت حتمية إجرائها حالاً؛رغم ثباته الإنفعالي وبدون اي تأخير!
لتبدأ حكايتة مع قسم الوبائيات ودراسة الرقعة الجغرافية؛ وتسجيله كأول حالة تم الكشف عنها؛ مصابة بحمى الضنك. وهي إحدى الامراض الفيروسية النزفية العارضه، والتي تنتشر في المجتمع بسبب بعوضة الزاعجة المصرية. ومن الجدير بالذكر؛ فإن حمى الضنك، هي حمى مشابه في السبب، و الاعراض، والعلاج بالحمى الصفراء!
وهنا بدى واضحًا، أن ما تعلمته في السفر إلى سلطنة بروناي وتفصيل ضرورة اخذ التاريخ المرضي للمصاب وتطبيق ذلك على الحالة الصحية للعم ابو فهد على ارض الواقع؛ كان أحد المستندات البحثيه التي إستخدمها قسم الوبائيات في وزارة الصحه لتحديد التشخيص الدقيق للعم واعلان إصابتة بحمى الضنك. وكان دليل إدانة بعوضة الزاعجة المصرية هو ذِكري في رسالة التحويل لطوارئ المستشفى المرجعي لتفصيلة مهمة؛ فعندما سألته إن كان يشكي من اي طفحٍ جلدي غالبا ما يصاحب الحمى بشكل عام ، او انه شعر باي لدغه لحشرة ما! اجاب وقال : نعم هناك لدغه حشره من ايام وانه مصاب بطفح جلدي بسيط في الظهر! وهذه التفصيلةساهمت في إلتقاط الزاعجة المصرية والالقاء بها في قفص الاتهام.
لم اكن اعلم بكل هذه التفاصيل ورحلة حكايته مع قسم الوبائيات؛ ولكنني حين باشرت العمل الصباحي، إلتقت بي إحدى الزميلات التي ذكرت لي إعجاب قسم الوبائيات بسردي التفصيلي للتاريخ المرضي للعم ابو فهد. وانه وبحكم انه خضع للتنويم في المستشفى المرجعي لمدة خمس ايام للسيطره على النزيف الداخلي الذي صاحب المرض؛ فقد كان كل ما رأي اي طبيب لا يذكر إلا اسم الدكتورة ريم والتي انقذت حياته، وكانت سبب بعد الله في نجاته.
فرحت فرحًا عارمًا لما قالت، وأعتززت وفخرت بكلماته عني في ظهر الغيب. وما زاد نشوتي الشخصية هو قدرتي بعد الله من انقاذ حياة اشد الناس نفورًا من المؤسسات الصحية. كما وانني كشفت عن مجرم صغير كاد ان يتسبب في ضحايا ووفيات وقضية صحية معقدة جدا.
وبعد مدة؛ ألتقيت بالعم ابو فهد وهو جالس في مقاعد الانتظار بالمصادفه في المؤسسة الصحية. فقد كنت امشي متوجهةً إلى إحدى غُرف العلاج، ألقيت عليه ابتسامة السلام سريعا. واذا به يفاجئني بالوقوف من جلوسه! ليلقي عليَّ؛ التحيه العسكريه! ويقول: “لولاكي لكنت ميتًا”
أجبته والسعاده تغمرني: لولا الله ثم الاسباب لما كنا الصدر الرحب والضمير المسؤؤل عن خدمتك والاخلاص في خدمة هذا المجتمع الطيب. لأكمل المسير وانا اشاهد التحية العسكرية وانسج كلماته، لأصنع وقود المضي في أداء واجبي وخدمة مجتمعي بضمير حئ وصدرٍ رَحب. متسلحه باليقين بالله، وبِعلمي، وتَجاربي التي وجب إستحضارها في كل وقتٍ وحين.

تعليقات
إرسال تعليق