إنه بيتها
بقلم - نوال إدريس
إنه بيتها
وما زال يسكنني
لطالما تمنيتُ أن يُهدم البيت الذي يقابل بيتي…
أو أن أصحو ذات صباح فلا أجد له أثرًا،
أو يخبرني أحدهم أن هذا البيت لم يكن يومًا هنا،
وأن كل ما رأيته… لم يكن سوى وهمٍ عابر في مخيلتي.
ما أصعب أن تتحوّل البيوت الدافئة
إلى أماكن موحشة…
أن تبقى الجدران كما هي،
ويرحل منها كل ما كان يمنحها الحياة.
كم تمنيتُ الهروب من مكانٍ
لا يحمل هذا البيت في زاويته،
ولا يذكّرني بشيءٍ يشبهه.
فذلك البيت…
لم يكن مجرد جدران.
كان بيت صديقتي.
التي رحلت منذ عام،
هي وزوجها،
في حادثٍ أليم
في شهر رمضان.
رحلت…
وتركت خلفها أثرًا لا يرحل،
وذكرى لا تهدأ،
أراها كل صباح،
وكل مساء،
وربما… طوال اليوم.
كان بيتها زاويتي الآمنة،
المكان الذي أضع فيه أحلامي،
وأفراحي القليلة، وأوجاعي الصامتة،
وخيباتي التي أثقلت كاهلي حتى شعرتُ أن روحي تنحني تحت ثقلها.
كنا نتحدث طويلًا…
عن المستقبل،
عن الأمومة التي حُرمنا منها،
عن الغربة التي أرهقت قلوبنا،
وعن خوفٍ صامت من الأيام القادمة.
وأحيانًا…
عن سهام الغدر التي قد تدور حولنا،
وربما… كانت تدور حولي أنا وحدي.
كانت الحكاية بريئة،
لكنها عميقة.
كانت صديقتي هادية…
هادئة الاسم، وهادئة الروح.
صغيرة في عمرها،
كبيرة في فهمها.
كانت ترد دائمًا بإيمانٍ يطمئن القلب،
وتقول لي:
"إن لم تتحقق أحلامنا في هذه الدنيا، فالله لا ينسى أمنيات القلوب… وسيعوضنا عنها هناك في الآخرة."
كانت كلماتها تسكن قلبي،
وكأنها ترى الدنيا بعينٍ أوسع من عمرها.
كانت هادية…
اليمنية الصغيرة،
الجارة الطيبة الكريمة،
التي لم تُشبه أحدًا…
ولن يُشبهها أحد.
مرّ عام…
وما زال البيت كما هو،
غصّة في صدري،
ووجعٌ مفتوح.
أراه أحيانًا…
كقبرٍ مهجور،
يحرس ذكرياتي.
ذلك البيت…
لم يعد بيتًا كما كان،
بل أصبح فراغًا يتّسع في داخلي،
كلما نظرت إليه.
وتحوّلت مع الوقت أمنيتي
إلى شيءٍ بسيط…
أن أرتاح من رؤيته.
لكن…
لم يكن ذلك هو الوجع الوحيد.
فبعد رحيلها،
حملتُ في داخلي وجعًا جديدًا…
وجعًا يختلف عن وجع الفقد،
وجعًا لا يُرى،
ولا يُفهم بسهولة،
وجعًا كان يسكنني أنا.
دخلتُ في فترةٍ عصبية قاسية،
تشبه الاكتئاب…
وربما كانت أشد منه.
كنت أقاوم وحدي،
أتماسك أمام الناس،
وأتكسّر في داخلي بصمت.
والأصعب من ذلك…
أنني واجهت كل هذا وحدي،
دون أن يقف معي
من كنت أظنّ
أنه لن يتخلى عني يومًا.
وكان ذلك…
وجعًا آخر،
لا يقل قسوة عن الفقد،
بل يضاعفه.
إلى أن جاء ذلك المساء…
خرجتُ…
ولا أعلم لماذا خرجت،
ولا إلى أين كنت أمضي.
كان الوقت قريبًا من أذان المغرب،
وليس من عادتي الخروج في هذا الوقت،
لكنني يومها…
كنت فاقدة الإحساس بكل شيء.
كنت أحمل في صدري
وجعًا جديدًا،
سهم غدرٍ آخر
أصاب قلبي.
كنت تائهة،
أمشي بلا وعي،
أبكي بلا صوت،
ولا أشعر إلا بالدموع
تغمر وجهي.
حتى وجدت نفسي…
أمام ذلك البيت.
البيت الذي دفنت فيه
ذكرياتي،
وأحلامي التي لم تكتمل.
ما أصعب أن تقف أمام مكانٍ
كان يومًا وطنًا لقلبك…
ثم يصبح مجرد وجع.
وهنا…
تداخلت الأوجاع في صدري،
حتى لم أعد أعرف لأيّهما أبكي…
أمس…
كنت أبكي ذلك البيت،
أبكيه لأنه لم يعد يحملها،
ولأنه أصبح شاهدًا على غيابها.
واليوم…
أبكي بيتي أنا،
وأبكي ذكرياتٍ كانت تربطني به،
ذكرياتٍ سرقها الغدر،
وتركني أمام جدرانٍ
لا تشبهني كما كانت.
وفجأة…
رأيتها.
امرأة تُخرج رأسها من خلف الجدار،
تنظر إليّ،
وتبتسم.
قالت بصوتٍ فيه رجاء:
"أمانة عليكِ… تعالي زوريني."
ترددت… ثم سألتها:
"هل تسكنين هنا؟"
قالت: نعم.
ثم أضافت بسرعة، وكأنها تخشى أن أرحل:
"الوحدة قتلتني…
لا أعرف أحدًا،
ولا أحد يدخل بيتي…
أمانة عليكِ، تعالي."
قلت لها بصوتٍ مثقل:
"لا أستطيع… هذا البيت يوجعني."
ثم وعدتها:
"سأعود وأسلم عليكِ من الخارج."
لكنني…
لم أستطع أن أمنع قلبي من الكلام.
قلت لها:
"هنا كانت تسكن صديقتي…
وماتت.
ومن بعدها أصبح هذا المكان كالمقبرة بالنسبة لي."
لم أعرف لماذا قلت ذلك،
ربما لأن الألم… لا يُجيد الصمت.
وفي اليوم التالي…
وجدتها مرة أخرى.
وتكرر الحديث،
لكن هذه المرة توقفت.
نزلت،
وسلمت عليها،
وقلت لها بهدوء:
"تعالي أنتِ إلى بيتي…"
ثم سكتُّ لحظة،
وقلت في داخلي قبل أن أنطقها:
بيتي…
الذي لم يعد بيتي الآن،
الذي حرمني منه الغدر والجحود،
كما حرما روحي
إحساسها بالحياة.
ومنذ ذلك اليوم…
أصبحت تأتي إلى بيتي.
وفي إحدى الليالي
ذهبت معي إلى المسجد،
وصلّت إلى جواري.
ومن خلال صلاتها وطريقتها
شعرت ببساطة روحها وطيبتها،
وكأن الحياة لم تمر عليها بالوجع
الذي مرّ عليّ في تلك الأيام الصعبة.
وتوالت اللقاءات…
وهنا…
وجدت رحمة الله
تتجلى في حياتي.
فكيف…
وبعد مرور عام على وفاة صديقتي هادئة،
يعوضني الله بإنسانة تشبهها في طيبتها،
وتسكن في نفس البيت
الذي كنت أتمنى زواله؟
وجدت منها شيئًا
يشبه ما وجدته في هادئة.
تعجبت…
ثم أدركت
أن رحمة الله تتجلى في حياتنا
بطرق لا نتوقعها.
أصبحت تعتبرني أختها،
وتقول لي إنني العوض لها في غربتها.
أنا…
المكسورة،
الموجوعة،
التي عاشت الفقد،
وعاشت بعده وجعًا آخر بصمت،
تراني العوض لها.
يا الله…
كم في أقدارك من أسرار،
وكم في ابتلاءاتك من رحمات خفية
لا نراها
إلا بعد حين.
ربما…
ليست البيوت هي التي تُهجر،
بل نحن
حين نفقد من كان يمنحها الحياة.
اللهم ارحم هادئة، واحفظ من حلّ مكانها، واربط على قلوبنا على ما فات، وعلى ما نحمله في داخلنا من وجعٍ لا يُرى، وامنحنا الصبر والسكينة بين الذكريات… وبين ما تبقى منّا.

تعليقات
إرسال تعليق