فولتير: من ظلمة الباستيل إلى نور التنوير
بقلم ناصر بن محمد الحارثي .. سلطنة عُمان – مسقط
في قلب القرن الثامن عشر، وبين صخب التحولات الفكرية التي شهدتها أوروبا، برز اسم فولتير (١٦٩٤م–١٧٧٨م)، كأحد أعمدة عصر التنوير. لم يكن مجرد كاتب أو شاعر، بل كان صوتًا جريئًا في وجه الاستبداد، ومدافعًا صلبًا عن حرية الفكر والتسامح الديني. اسمه الحقيقي **فرانسوا-ماري آرويه**، لكنه اختار لنفسه اسم "فولتير" ليوقع به معاركه الفكرية التي خاضها بقلمه.
البداية كانت حين اصطدمت الكلمة بالسلطة
في عام **١٧١٧م**، لم يتجاوز فولتير الثالثة والعشرين من عمره عندما أُلقي به في سجن **الباستيل** بسبب قصائد ساخرة انتقد فيها الوصي على العرش الفرنسي. استمر سجنه قرابة **١١ شهرًا**، لكنه لم يكن عزلاً تامًا كما قد يُتصوّر؛ فقد سُمح له بالقراءة والكتابة، بل وألّف خلال تلك الفترة مسرحيته الشهيرة **"أوديب"**، التي عُرضت لاحقًا وحققت نجاحًا لافتًا.
خرج فولتير من السجن، لكن روحه المتمردة لم تهدأ.
الضربة الثانية: صراع مع النبلاء
في عام **١٧٢٦**، دخل فولتير في نزاع مع أحد النبلاء الفرنسيين، هو **شوفالييه دي روهان**، بعد أن تعرض للإهانة والاعتداء. طالب فولتير بردّ اعتباره عبر مبارزة، لكن النتيجة لم تكن كما أراد؛ إذ استُخدمت السلطة ضده مرة أخرى، وتم سجنه لفترة قصيرة في الباستيل، قبل أن يُخيّر بين البقاء في السجن أو مغادرة فرنسا.
اختيار المنفى.
التحول الكبير: إنجلترا تفتح الأفق
وصل فولتير إلى إنجلترا في عام **١٧٢٦م**، وبقي هناك حتى عام **١٧٢٩م**. كانت تلك السنوات الثلاث نقطة تحول مفصلية في حياته. هناك، تعرّف على مجتمع يختلف جذريًا عن فرنسا؛ حيث وجد مساحة أوسع لحرية التعبير، ونظامًا يسمح بتعايش نسبي بين الطوائف الدينية المختلفة، في ظل قوانين أقل قمعًا.
تأثر بفكر فلاسفة مثل **جون لوك**، وبنظام الحكم الدستوري، فبدأ يعيد النظر في كثير من المسلمات التي نشأ عليها.
ثمرات التجربة: حين تتحول المعاناة إلى فكر
بعد عودته إلى فرنسا، كتب فولتير عمله الشهير
**رسائل فلسفية" (١٧٣٤م)**، الذي نقل فيه إعجابه بالنموذج الإنجليزي، ودافع فيه عن حرية الفكر والتسامح. وقد أثار الكتاب غضب السلطات الفرنسية، حتى تم حرقه علنًا.
ورغم أن العبارة الشهيرة:
*"قد أختلف معك في الرأي، لكني سأدافع حتى الموت عن حقك في التعبير عنه"*
تُنسب غالبًا إلى فولتير، إلا أنها في الحقيقة صياغة لاحقة كتبتها المؤلفة الإنجليزية إيفلين بياتريس هول، لتلخيص روحه الفكرية، لا اقتباسًا مباشرًا من كلماته.
الحرية لا تُولد في كنف الراحة
لم يكن سجن الباستيل مجرد جدران احتجزت جسد فولتير، بل كان بداية لتحرير عقله. لم تكسره التجربة، بل صقلته. ولم تُنتج المعاناة حقدًا، بل وعيًا أعمق بقيمة الحرية.
لقد أدرك فولتير أن الحضارة لا تتقدم إلا حين نحمي حق الآخرين في التفكير، حتى عندما نختلف معهم. وأن القمع، مهما اشتد، قد يتحول—في يد العقول الحرة—إلى شرارة إشعال لأفكار لا يمكن سجنها.
اليوم ليست العبرة في أن نواجه الظلم—فذلك أمر يكاد يكون حتميًا عبر التاريخ—بل في الطريقة التي نختار بها أن نرد عليه:
هل نصبح امتدادًا له؟
أم نحوّله إلى وعيٍ يُنير الطريق للآخرين؟
في قصة فولتير، كانت الزنزانة بداية… لا نهاية.

تعليقات
إرسال تعليق