بقلم الكاتبة:زهرة سعيد الراسبي
فتحت كتابها بعنف وهي تتأمل بحسرة إخوتها من يصغروها سنا في الخارج وهم يلهون في ساحة المنزل فرسمت في صفحات كتاب العلوم عينا تدمع وهي تفكر: كم هي الحياة مؤلمة وقاسية وتحملنا فوق طاقتنا..
فاسندت رأسها على الوساده مسترجعه ذكريات ليست ببعيده، فصل من الضغوطات النفسية مررنا بها تسابقت فيه المعلمات للمضي في المنهج من اول يوم دراسي فيه، تلاها شهر رمضان الذي لم نستمتع بأيامه الجميلة وامضيناه ننهي واجباتنا المطلوبه والاختبارات القصيرة والمشاريع وغيرها الكثير، وهذا لايعتبر شيء لما واجهناه مابعد رمضان اذ تسابقت المعلمات وللمرة الثانية في انهاء المناهج واتمام الاختبارت إنه بعد ايام ستبدأ الاختبارات النهائية،تنهدت بحسرة وهي تنفث كلمات الغضب: إنه فصل كارثي بالفعل وفوق ذلك وبعد الارهاق يتم طحننا بهذا الاسبوع المشحون بالاختبارات بلا فترات استراحه بينها، تمنيت لو احن أحد ما يشعر بما نمر به فالام تلوم والاب يقارن والمراقبة حازمه و لا تساعد مدعية بان المساعده غش، اي غش هذا؟ هل ساغش البائع و المشتري مثلا؟ او اغش المراجع للحسابات؟ انه مجرد اختبار لما المبالغة في،اصدارالاحكام فيه!!
قلبت الصفحات واستكملت حديثها الداخلي: إنه منهج له بداية ولكن لانهاية له متى سانهيه ياترى
(2)
في الصباح تحدثت الام هامسة مع نفسها وهي تتفحص ابنتها النائمة :لا تستطيع ان تتخلص من هذه العاده السيئة تنام فوق كتبها بدل السرير ..قومي يا أسيل لم يبق على وقت الاختبار الا ساعه ونص.
- اه ياأمي الحمدلله إني انهيت المنهج بجهد جهيد.
- هيا البسي وتناولي فطورك قبل تصل الحافله
-أمي اشعر بصداع وثقل في الراس غير طبيعي
- هذا بسبب نومتك الغريبة سأعطيك مسكن خفيف وهبي بسرعة إلى المدرسة فالكل ينتظرك هناك وأولهم الاختبار
كالعاده لا أحد يشعر بي هنا، فقط الأهم هو الاختبار اما رأسي فلا يهم.-
في الحافله تشعر اسيل ان المطبات تتحول الى جبال والمسافات المستويه الي موجات خفيفة وتستيقن ان هذا الشعور سببه الم الراس السالف ،تحسست رأسها مفكرتا :صحيح ان المسكن خفف الالم ولكنه ولد شعور اخر كالهواء المزعج في راسي
(3)
طرقت المعلمة في قاعة الاختبار على طاولة اسيل قائلة: لقد مرت نصف ساعة وانتي لم تكتبي اي كلمة فاستفاقت اسيل من فترة السهو
-نص ساعه يا استاذه؟
نعم قالتها مرسلة نظرات الخطر-
-فتخاطرت مع نفسها :الانني تتبعت سقوط قلم ليلى؟ وشرب نهى الماء؟ وتضايقي من المروحة التي تزن فوق راسي والتي لاتفعل شيئا الا انها تحرك الهواء المزعج داخله، مرت نص ساعه باكملها؟
ففركت جبهتها وهزت رأسها كانها تستجمع تركيزها: يجب ان اشحذ كل معلوماتي واتجاهل راسي الغريب وحساسيته الزائدة للاصوات : وها هو السؤال الاول وبسم الله
ترحع المعلمة تطرق على طاولة اسيل وهي تسأل هامسة: ماذا تريدي ان تفعلي؟
- لا شيء فقط ابدا بالحل لئلا يضيع الوقت
- يحب ان تجلبي شيئا للانارة فكيف ستتمكني من رؤية ورقتك
- عفوا استاذه! ماهذا الكلام الغريب! الانارة متوفرة ثم ان الوقت نهار
لم تكد تنهي جملتها حتى لاحظت شيئا من الظلام حل في القاعة كأن الغيوم غطت الشمس بكثافه بحيث لم تستطع اسيل رؤية ورقتها بوضوح فاستغربت ورفعت راسها لتستوضح الوضع فلم تجد زميلاتها في القاعه الا القليل منهن منحنيات على اوراقهن.
- لقد خرجت زميلاتك منذ فتره للبحث عن الانارة الخاصه بهن، وبالنسبة لبقية الطالبات في القاعة فقد رجعن من فترة باضوائهن فقد كن سباقات، اذهبي لتجدي انارتك بسرعة قبل ان ينفذ وقت الاختبار فخرجت مسرعة من القاعه واتجهت في درج لانهاية له ومع ذلك انتهى بدهليز واسع اوصلها لسيول من الامطار الاستوائية اذ لاتتوقف طوال العام
استغربت اسيل وهي تردد:- انها امطار غزيرة لاتتوقف وموقعها في المناطق الاستوائية ماذا جاء بها الى هنا فانصدمت بعدد هائل من الاطفال في قوراب متهالكه ويحملون حقائبهم المتهلهلة على رؤسهم تجنبا للمطر، والرجفه البارده تهز اجسادهم الهزيلة....وبعيونهم الخائفة تنطلق نظرات التحدي
-ماذا يفعل هؤلاء الاطفال في هذه الاجواء المريبه....انت ياصغير لما لاتختبئ في بيتكم من الامطار اظن ان الادارة ستعذرك والدروس ملحوق عليها صحيح؟
- اختبيء في البيت؟!انها الاجواء المعتادة طوال العام ولو جلسنا في البيت منتظرين صحو الجو فلن نتلقى العلم ولن ننجح في حياتنا ولن نصطف في مقدمة العالم المتقدم يوما
- ماهذا الكلام الكبير.... حتى اني لم افهم نصفه ! كل هذا يخرج منك ايها القزم؟ قالتها بتعجب فناداها رجل مسن من اصحاب القوارب
-انتي يافتاه لما تضيعين وقتك في الحديث مع الاخرين وبالتخدل فيما لايعنيك ماذا تريدي من هنا
-ردت خجلة: فقط اضاءة بسبطة لارى ورقة اختباري
- فنهرها المسن: اذا اسرعي واحصلي على احدى الالواح المتكسرة هناك واجدفي بيديك حتى تصلى لذلك المصدر هناك، قالها مؤشرا بأحدى يدية لمكان بعيد
صرخت مستغيثة: انه بعيد
تجاهل شكواها واستكمل: واحرصي ان تصلي قبل ان يختفي المصدر
بلا اي تفكير جدفت اسيل وكادت يداها ان تتقطع وهي تحاول الوصول الى مصدر الضوء حتى حملت قبسا منه فوق راسها كما تفعل النساء هناك وعادت متأمله بتعجب اصرار الطلاب على مواصلة الدراسه وسط هذه الاجواء المخيفة والظلام المرعب والبرد القارص وهي تحدث نفسها بعتاب....لم يقولوا مطر لن نذهب الى المدرسة بل صنعوا قوارب ومضوا
ترى هل سيخسر هؤلاء يوما ؟
وماان وصلت الى القاعه عن طريق سلم الانهايه المتعب حتى بدات تسابق الزمن في حل السؤال الاول فالثاني وما ان كادت ان تنهيه حتى شعرت بجفاف شديد وحشرجه في حلقها طلبت على اثره كوب ماء من المعلمة فنظرت اليها بغضب وقالت متهكمة: اذهبي واحضري لنفسك الماء
عذرا يامعلمتي الفاضله ولكن بحكم العادة يتم توفير الماء في قاعات الإختبار فعذرا مرة اخرى.
- لاعليك ولكن لتكسبي الوقت اذهبي من نفس الدرج واحصلي على نضيبك من الماء
-الدرج مرة اخرى ؟ففكرت ان تاجل موضزع الشرب الى مابعد الاختبار ولكن الدوار بدا يزداد عندها والجفاف بدآ يخنقها ،فهرعت بسرعة الى السلم المظلم تنزل فيه من خلال درجاته الانهائية حتى وصلت الى دهليز الخروج حيث استقبلتها اشعة الشمس وقادتها الى قرية مزحومة بمحموعة طوابير تتقدمها شاحنه مملوءه بقناني ماء،بلاستيكية كبيرة يتم توزيعها على المصطفين في مقدمة الطوابير فحاولت اسيل التفاهم عند اهل المصطفين لتاخذ مكان متقدم وهي تكح وتلهث وتكاد ان تختنق ولكن قوبل طلبها بالرفض
فحاولت عند هذا وذاك ولم ياتيها الا نفس الرد وبدآ الوقت ينفذ منها وكذلك الصبر حتى صرخت محتجه
- الهذه الدرجة مات الشعور لديكم عندي اختبار نهائي ولم يعد لدي الكثير من الوقت ،فانزاحوا قليلا لاشرب وادلف الى اختباري.
فزاد غضبها اكثر اذ لم يبدي اي من الناس رده فعل لصراخها واستغاثتها فالكل مشغول بنفسة وبمن حوله: فهناك صغير يبكي عطشا واذ انهم ىينتظرون منذ مده طويلة ولايصدق متى سيحين دورهم لياخذوا نصيبهم من الماء وخاصة تلك المراهء والتي تجمهر حولها صغارها يبكون من شده التعب والعطش عدا الشمس المترصده من فوقهم و في مقدمة الطابور وقريبا من الر جل العجوز استندت عجوزا عاجزة عن الوقوف طويلا لولا ان حاجتها لانتظار الماء اجبرتها على هذه الوقفة الطويله عدا الرضيع الصارخ لهول الحرارة. خلا المكان المزدحم من أي وجة سعيد عدا الاطفال العائدون من المقدمة وفي ظهورهم المنحنية قنينات الماء الثقيلة شعرت اسيل بالخزي عندما تراءت لها الهموم الحقيقية للاخرين وبخاصة الاطفال الذين يقاربونها في العمر ويباعدونها بالهم والاحلام، فانتبهت للوقت الذي ينسل منها وهزت رأسها وبوادر دموع تبرق في عينيها وهي تردد لا اريد ماء فركضت محاولتا تجنب مشاهدة المزيد من المناظر حتى وصلت الى الدهليز ومنه الى السلم المظلم حتى دخلت القاعة لاهثة عطشة متجنبة النظر الى المعلمة لئلا تسئلها عن الماء،فجلست بكل هدوء وما ان مسكت قلمها وبدأت بالحل سريعا حتى تنبهت وهي فالسؤال الاخير عن الوقت :فكم تبقى من الوقت،سألت نفسها فرفعت يدها مستأذنة المعلمة بالسؤال عن الوقت.
-للاسف التعليمات الجديدة تقول على الطالب الحصول على معلومات عن الوقت من قرية الاوقات
-قرية الاوقات! سالت متعجبة والعرق يتصبب من جبهتها، انه إختبار او جهاد؟
-ارجو التزام الهدوء في القاعة ،علما بانها قرية قريبة جدا وتخلو من اية مصاعب وبامكانك الحصول على ساعة اوقت بسهولة.
-المشكلة اني جدا مرهقة ولكن مضطرة لمعرفة المتبقي من الوقت، فما ان وقفت حتى وجدت قدماها في ارضية قرية الاوقات وبالفعل وجدت العديد من الاشخاص يحملون ساعات كبيرة ويتاملونها فسألت طفلا متأملا للوقت عن موزع هذه الساعات
-لا ادري أي نوع من الساعات تريدي فساعتي جدا بطيئة لا تتحرك وثقيلة المرور ،كان المتحدث صغيرا وقصيرا بعض الشيء لكنة شاحب اللون واصلع ويده موصولة بمغذي ويخرج من ظهرة انبوب اخر متصل بجهاز لم تعر ف مافائدته فارتعدت من منظرة ياترى مانوع المرض الذي اوصله لهذه الحاله فشكرتة مسرعتا الى شخصا اخر وهناك قابلها طفل مرمي على شاطء البحر لم يتعدى السنتان فلم تسأله ضنا منها انه نائم لكنه قام واقترب منها وقال اتبحثين عن موزع الساعات ؟
-فردت متردده نعم
-انه في كوخة يغفو في هذه الساعة وسيكمل التوزيع غدا
-نعم ولكن ليس لدي الوقت اذ لدي اختبار نهائي واخاف ان ينفذ
-لا اعتقد ان وقتك سيكون اسرع من وقتي فقد ولدت وتم الاحتفال بميلادي الاول ومن بعدها تم قصف قريتي وتيتمت من ناحية ابي وتغربت مع امي وبقية اهلي وركبنا البحر وواجهنا موجه عملاقة غرقت على اثرها وبعدها وتم تصويري وانتشرت صورتي في اقاصي الارض اذ لفت العالم وانا لم ابلغ السنتين، فشهقت اسيل مرتعبة مما سمعت فركضت باكيتا وهي تبحث عن الدهليز فلم تجدة فصرخت باكيتا متلعثمة الوقت الوقت،الدهليز الدهليز
-هل مازلتي ساهيتة في ورقتك هيا مرت ساعة وبقيت ساعة اخرى هيا تستطيعي ان تستكمل ياجاباتك
لم تب باي كلمة فقط التفتت حولها متاملة الصف جميع الزميلات منحنيات على اوراقهن بلا أي مفقودات للبحث عن اناره فالتفتت الى السقف ووجدت الاضاءة متوفرة كذلك الجو صحو ومشمس ولا امطار او غيوم تتسبب بالظلام وكل طاولة فيها قنينة ماء معدنية والساعة على السبورة تشير الى المتبقي من الوقت اذا كل شي على مايرام بل كل شيء بخير وفوق البخير .فابتسمت ماسكة قلمها بالحل حتى انتهى الوقت وخرجت من القاعة ومازالت تتفحص ما حولها فالمدرسة رائعة حتى ضجيجها ممتع ودرجها القديم المتكسر اخاذ بهندسته
رجعت الى البيت فهرعت لها امها عندما لاحظت تبدل ملامحها وتلمست جبهتها بقلق:يبدوا ان الحمى قد زادت خلال فترة الاختبار، ياللمأساة حمى واختبار؟
-لا عليك ياامي لم يبق الا القليل انك لاتدري حجم النعمة التي ننعم بها ...صدقيني اننا بخير ونحيا بسعادة لانشعر بها.
-صمتت الام متعجبة من كلام ابنتها والتي لأول مرة تسمعه وربماليست الاخيرة.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق