يوميات بغدادي.. الفصل الاول

بقلم . زهرة بنت سعيد الراسبي.


 شهادات على نكبة العاصمة

حرص على تغطية وجهه جيدًا بقماش قطني، ولفّه حول رأسه عدة مرات بإحكام، ولم يظهر من وجهه سوى عينيه العابستين بغضب. تلفع بعدة أردية لا تُظهر منه شيئًا سوى خيال إنسان، فشكل مع فرقته، التي تشاركه الزي نفسه، مجموعة أشباح يغمرها الغموض.

اتكأ على عصا متينة وهو يمشي ببطء بين جثث منتفخة، لا يُعرف شيئًا من معالمها سوى أنها بلغت أقصى درجات الرعب، الذي شل حركتها فلم تقاوم الجزار، ولم تهرب من القاتل. فزاد ذلك من عبوسه الممزوج بالدمع، وهو يقيس مدى النكبة؛ فقد تغيرت الألوان هنا، فالنهر أحمر، والأرض حمراء، والمسجد أسود، والجثث سوداء! تنهد ليخفف الكربة التي جثمت على صدره، فاِمتَلأ بالهواء الفاسد المحمّل برائحة أجساد لم تُدفن.

سمع ضجيجًا هستيريًا من أحد أعضاء فرقته: "أهذه بغداد؟! أهذه درة البلاد؟! أهذه عاصمة الخلافة؟! رحماك يا رب... رحماك يا رب!" فشهق ببكاء أقرب للصراخ، ولم يُهدئ من قبل فرقته، أو يُلام على نحيبه؛ فهذا جزء من ما تكنّه صدورهم من مشاعر الألم والحسرة. صرخ آخر: "آه يا بغداد سامحينا... آه يا علماءُ الدهر سامحونا... آه يا مجد الأمة، لكم الله... لكم الله... ولا حول ولا قوة إلا بالله."

وقبل أن تتحول فرقة الإنقاذ المتطوعة لبغداد بعد نكبة المغول، لانتشال الناجين ودفن الجثث—لئلا تنتقل الأضرار إلى بقية الأمة، وقد انتقل بعضها بالفعل—وقبل أن تتحول الفرقة إلى فرقة نعي، رفع رئيسهم سيفه وأرعد بصوته المدوي: "النكبة تمت، والخلافة سقطت، والشعوب قُتلت، ولا نقول إلا: إنا لله وإنا إليه راجعون" [سورة البقرة: 156]. وأردف منبّهًا بقوة: "يا أيها الذين آمنوا، اصبروا وصابروا وارابطوا" [سورة آل عمران: 200].

تكفلت كلماته الحازمة بإرجاع الرهط إلى هدفهم الذي جاءوا لأجله، فانطلق المتلفع العابس بينهم ليحصي الموتى. فتارة يحصي، وتارة يمسح دموعه، وتارة يوثق إحكام رباطه الواقي حول أنفه. وبينما هو على تلك الحال، وقعت عيناه على جثث مذبوحة، معظمها قصيرة القامة، تدل على صغر سنها، واثنتان تدلان على سن الشباب أو المشيب. بجانبها، تجندلت جثة بعيدة عن البقية، ممزقة بحقد، طولها متوسط، مما يدل على حداثة العمر، وملابسها تُشير إلى أنها لجنس الذكور.

لم تُذبح هذه الجثة، بل طُعنت في الصدر عدة طعنات، يبدو أن الفتى قاوم قبل موته. قال المتلفع بصوت مسموع: "هنيئًا لك هذه الميتة المشرفة"، وهو ينفذ شيئًا من مشاعر الأسى في جوفه. ثم لاحظ أن الجثة تحمل شيئًا في يدها اليسرى، قبضت عليه بقوة، رقاع من ورق انتثر الدم فيها، كأنه انفجر من نبع مكتظ. دس الرقاع داخل قميصه، وأكمل سعيه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتم الدفن على مدار أيام. لم ينس سعد أن يضع علامة وشاهدًا على قبر تلك الجثة، التي يعتقد أنها استشهدت بشرف بعدما قاتل صاحبها ببسالة.

بجانب خيمة المعسكر، الذي أُقيم في الطريق المؤدي إلى الشام، جلس سعد القرفصاء وبدأ رحلة الاستكشاف في تلك الرقاع، حاملاً معه الوقت، والتفكر، وعين لا تطرف، وقلب حاضر. لم يعد سعد كما كان، فقد أزال زيه الواقي بعد انتهاء مهمته، وبدأوا العودة إلى ديارهم، وهم الآن بعيدون عن بغداد المنكوبة، وأسلموا أجسادهم المنهكة لسلطان النوم والراحة، باستثناء سعد، الذي شغلت الرقاع فؤاده.

استغرق سعد يفك معضلة تلك الرقاع، حتى تمكن في النهاية من قراءة ما بها، بعد ليالي مبيت في رحلة العودة. إنها ببساطة يوميات الصبي المجاهد، كتبها قبيل وصول التتار بأيام، وكانت الرسائل كالتالي:

الرسالة الأولى

"أنا أحد سكان هذه الناحية من بغداد، ولا يهم الاسم أو العمر، المهم أني كنت هنا، وهذا حبر خطته يدي على رقع أوراق. لم يكن خطي بهذا السوء لولا سواد الخوف، الذي مد يده لتخنق كل الرقاب. كثيرًا ما لهفت نفسي على أمور لا تُحصى، فأكبتها أحيانًا، وأطيعها أحيانًا أخرى، ولكن لم أتلهف على شيء كرغبتي الآن في كتابة ما أعايشه. رجائي أن يصلكم بإذن الله، إخوة الإسلام، لأعرفكم بما حل بنا قبل النصر أو الهزيمة...

يتبع .....

تعليقات