في حضرة القصيد… حين تتأنث الحروف ويبوح العشق بسرّه

كتب الحوار: فايل المطاعني (الحكواتي)

في مجلس الحكواتي… حيث للكلمة نبض، وللشعر هيبة لا تُمس،

نقف هذه المرة أمام نصٍّ لا يُقرأ على عجل، بل يُعاش كما يُعاش العشق حين يكتمل حضوره.

قصيدة تنبض بأنوثة الحرف، وتكشف عن شاعرةٍ لا تكتب الحب من بعيد، بل تغوص فيه حتى آخر المعنى… حيث تصبح المرأة قصيدة، والقصيدة روحًا، والروح مرآةً للعاشق.

مع الشاعرة الجزائرية طيغة تركية، ندخل إلى فضاءٍ تتداخل فيه الرغبة بالجمال، ويعلو فيه صوت العاطفة دون مواربة… لنصغي لما بين السطور، ونترك للأسئلة أن تفتح أبواب هذا البوح الشعري.


س1:في مطلع القصيدة، نلمس دعوة مباشرة للدخول في "حضرة القصيد"… ماذا تمثل لكِ هذه الحضرة؟ أهي حالة شعرية أم طقس شعوري خاص؟

ج1: تمثل هذه الحضرة حالةً شعرية في البداية، حيث ينفتح لنا من خلالها باب الخيال والإبداع، ويتدفق صفاء اللغة والصور، فنقول عندها إننا في حالة إلهام داخلي، وبعد اشتدادها تصبح طقسًا شعوريًا يشبه عبادة الكلمة.

س2: تجعلين القصيدة ترتدي "ثوب الأنوثة"… كيف ترين العلاقة بين الشعر والأنوثة في تجربتك؟

ج2: الشعر في كتابة نصوصه يحتاج إلى الأنوثة، أي إلى الجانب الذي يحرّكه، إلى الجانب الذي يمنح الأشياء روحًا لا شكلًا. كما أن الأنوثة لا تعني المرأة فقط، فقد نجد الأنوثة في الشعر كقيمة، مثل القدرة على الاحتواء. وعليه فإن العلاقة بين الشعر والأنوثة علاقة واحدة؛ فكلاهما يحوّل المعنى إلى إحساس.

س3:يبدو العشق في نصكِ فعلًا واعيًا لا صدفة… هل الحب لديكِ قرار أم قدر؟

ج3: الحب في بدايته قدر، لكن مع الوقت يصبح قرارًا. فنحن لا نختار متى تهتز قلوبنا للحب، لذا نقول إن أصدق الحب هو ما جمع بين شرارة القدر ونضج القرار.

س4:تقولين: "كوني قصيدة لا حروف تشبهكِ"… هل تعجز اللغة أحيانًا عن احتواء الشعور؟

ج4: نعم، أحيانًا تعجز اللغة عن احتواء الشعور، لأن الإحساس أوسع من الكلام وأسبق منه. لذلك نجد دائمًا عبارة: "لا أستطيع أن أعبّر"، ليس لأن اللغة عاجزة تمامًا، ولكن لأنها قد لا تنقل الشعور كما هو. لذا يمكن القول إن الشعور بحر، واللغة إناء، وهذا الأخير لا يسع لحمل البحر.

س5:في النص حضور قوي لفكرة الامتلاك العاطفي… كيف توازنين بين العشق والحرية؟

ج5: العشق لا يعني الامتلاك، والحرية مساحة لا هروب. وإذا عشقنا، لا يجب أن نلغي ذواتنا أو نقتل حريتنا، فنقود أنفسنا إلى سجن. لذا يجب أن نوازن بين الحرية والعشق؛ فإذا أمسكنا بيد من نحب، لا نكسر جناحه.

س6:تصفين نفسكِ بالجنون حين يكتمل حضور الآخر… هل الجنون في الحب ضعف أم ذروة صدق؟

ج6: الجنون في الحب، عند حضور الآخر، هو ذروة صدق، وانتصار الذات بعيدًا عن التخفي أو التصنع. والجنون الجميل هو حرارة الشعور، وعندما ينكشف صدق القلب، هناك تكون قمة الإنسانية.

س7: يبدو الحبيب في القصيدة كأنه يعيد تشكيل العالم… هل الحب قادر فعلًا على إعادة تعريف الأشياء؟

ج7: نعم، الحب قادر على إعادة تعريف الأشياء، ليس لأنه يغير مادتها، بل لأنه يغير معناها. كما أننا نستطيع، عن طريق الحب، اكتشافها من جديد، فهو يعيد ترتيب الأولويات؛ فما نراه قبل الحب شيئًا عاديًا، قد يصبح بعده جوهريًا، ويمنح الأشياء معاني جديدة دون تبديلها.

س8:في قولكِ: "في وجهكِ التاريخ ينسى فصله"… هل ترين أن الحب يتجاوز الزمن؟

ج8: نعم، الحب يتجاوز الزمن، لأن حضور المحبوب بكامل جماله يجعل التاريخ يفقد نظامه. فالتاريخ يسجل الأحداث، أما الحب فيصنع المعنى، وبالتالي في حضرته يسقط الزمن.

س9:النص يحمل طاقة حسية عالية دون أن يفقد شاعريته… كيف توازنين بين الرغبة والجمال في الكتابة؟

ج9: إن الموازنة بين الرغبة والجمال هي جوهر الشعر الراقي، لأن الرغبة تمنح النص حرارة، والجمال يمنحه قيمة وبقاء. لذا لا يمكن أن تنفرد الرغبة عن الجمال، بل يجب الجمع بينهما، فالنص الراقي لا يكتفي بالصورة، بل يجعلها بوابة للمعنى، وتكون الرغبة طريقًا إلى الجمال.

س10:تكررين فكرة الحضور الحقيقي مقابل الخيال… لماذا ترفضين الحب المؤجل أو المتخيّل؟

ج10: الحب المؤجل هو حب له واقع ينتظر وقته، أما الحب المتخيل فهو حب له خيال قد لا يلتقي بالواقع. وأنا لا أرفضهما، فكلاهما حب، لكن ما يمكن رفضه هو أن يذيب هذا الحب صاحبه في انتظار طويل أو خيال بلا واقع.

س11 لو أُطفئت الأنوار في مجلس الحكواتي، وبقي صوتكِ وحده… أي سطر من هذه القصيدة تختارينه ليكون اعترافكِ الأخير أمام السامعين؟

ج11: لو أُطفئت الأنوار وبقي الصوت، سأختار هذا الشطر:

"فالعشق منكِ وفيكِ أرفع رايتي"

فهذا الشطر يعني أن العشق مصدره أنتِ وغايته أنتِ، وبه أعتز وأفتخر، وإليه الانتساب.

س12 ما الكلمة التي توجهينها إلى مجلس الحكواتي، هذا المنبر الذي يمنح القصيدة حياةً أخرى بين القلوب؟

ج12: أتقدم بكل معاني الشكر والتقدير لهذا المجلس الموقر على هذه النافذة التي فُتحت لي للتعريف ببعض الجوانب الأدبية، وذلك من خلال إبراز بعض النقاط في معاني قصائدي، حيث تمنح القصيدة روحًا تنبض بالحياة وإحساسًا يدفع إلى الاستمرار.

كما لا أنسى أن أبعث بالشكر إلى الأستاذ فايل بن سريد المطاعني، حفظه الله، وأقول له: دمت متألقًا.

س13:كيف ترين الفرق بين أن تكتبي "عن الأنثى" وأن تكتبي "كأنثى"؟

ج13: هناك فرق عميق بين أن تكتب عن الأنثى وأن تكتب كأنثى. فالكتابة عن الأنثى تكون موضوعًا للنص؛ تكتب عن جمالها، معاناتها، حضورها، ومشاعرها، وأثرها. بينما الكتابة كأنثى تعني أن تتكلم من داخلها، برغبتها ووعيها، بقوتها أو ضعفها، أي أنها تصبح صوت النص لا موضوعه. وبالتالي يمكن القول إن الكتابة عن الأنثى قد تكون إعجابًا أو تحليلًا، بينما الكتابة كأنثى تحتاج إلى ميل عميق وفهم لتجربتها الإنسانية.

س14: في ختام القصيدة، ترفعين راية العشق… هل ترين أن الحب انتصار أم مغامرة مفتوحة على الاحتمالات؟

ج14: لا أرى الحب انتصارًا، فالدخول فيه لا يعني دخول معركة تُحسم بانتصار أو هزيمة، بل أراه مغامرة مفتوحة على جميع الاحتمالات، لأنه رحلة يخوضها قلب يعرف أن كل احتمال فيها حياة سيعيشها، رغم اختلافها.

س15: اسمكِ كما توقّعينه ليس مجرد تعريف، بل يبدو كأنه جملة شعرية قائمة بذاتها… ماذا تخبئين خلف "طيغة تركية الجزائرية" من معنى وحكاية؟

ج15: هذا الاسم مساحة مفتوحة على ذات أدبية، حضورها رمزي بين الحقيقة والخيال، وهو صوت امرأة يحمل بداخله العديد من المعاني، ونَفَسًا شرقيًا بين الانتماء والهوية. فكلما زادت رمزيته، اتسعت حكايته.

كلمة الشاعرة إلى القرّاء:

إلى كل من يقرأني بقلبه قبل عينيه…

أكتب لأقترب منكم، لا لأتوارى خلف الحروف. أكتب لأن في داخلي ما يشبهكم، وما يوجعكم، وما يمرّ بكم بصمت.

إن لامستكم كلماتي، فذلك لأننا نتشارك الشعور ذاته… وإن اختلفت الحكايات.

كونوا أوفياء لقلوبكم، فالعشق الصادق لا يخطئ الطريق، والروح التي تعرف نفسها لا تضلّ.

كما أتقدم بجزيل الشكر والتقدير إلى مجلس الحكواتي، هذا المنبر الذي يحتفي بالكلمة ويمنحها نبضًا جديدًا بين القلوب.

شكرًا لكم على هذه المساحة التي تتيح لنا أن نبوح، أن نُسمع، وأن نكون كما نحن… بلا أقنعة.

كان لي شرف الحضور بينكم، وترك شيء من روحي هنا… فلكم الامتنان، ولكم كل المحبة.

هكذا، نغادر "حضرة القصيد" ونحن أكثر اقترابًا من سرّ الحرف حين يتوهج،

وأكثر يقينًا بأن الشعر، حين يُكتب بصدق، يتحول إلى كيان حيّ… يتنفس، ويشتهي، ويحب.

في نصوص تركية، لا يكون العشق ترفًا لغويًا، بل حالة وجود…

حيث الأنثى قصيدة، والرجل اعتراف، واللغة جسر بين روحين.

وفي مجلس الحكواتي… تبقى مثل هذه الأصوات شاهدة على أن القصيدة، حين تبلغ ذروتها، لا تُقال فقط… بل تُشعرنا أننا جزء منها.


تعليقات