أحياء في "ضيافة" الأموات

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي _سلطنة عُمان

هربوا من جحيم الغلاء إلى هدوء القبور.

مانيلا: حيث ينام الفقراء في أحضان الموتى هرباً من جحيم الغلاء

مانيلا، الفلبين في قلب العاصمة الفلبينية مانيلا، حيث تتناطح السحاب في حي "مكاتي" المالي وتلمع واجهات المتاجر العالمية، تمتد ظلال واحدة من أكثر صور التفاوت الطبقي قسوة في العالم. هنا، في "مقبرة شمال مانيلا"، لم يعد الموت هو الساكن الوحيد، بل تحولت أضرحة الأثرياء إلى منازل لآلاف الفقراء الذين لم يجدوا مكاناً يسترهم فوق الأرض، فقرروا العيش تحتها، أو بين جدران مقابرها.

حياة بين الرخام والتوابيت

ما إن تخطو قدماك داخل المقبرة، حتى يختفي صمت الموتى ويحل محله ضجيج الحياة اليومية. تقدر الإحصاءات أن ما يقرب من 20 ألف نسمة جعلوا من هذه المقبرة حياً سكنياً متكاملاً. هنا، لا يسكن الناس في خيام، بل داخل "أضرحة عائلية" فاخرة مبنية من الرخام والخرسانة. وفي مشهد سريالي، تجد الغسيل معلقاً فوق شواهد القبور، وأجهزة التلفاز تعمل داخل غرف الدفن، وأطفالاً يركضون ويقفزون فوق التوابيت وكأنها ملاعبهم الوحيدة.


اقتصاد الموت.. و100 دولار تصنع فارقاً

يروي السكان قصصاً تدمي القلوب عن صراع البقاء. إحدى السيدات المقيمات هناك، والتي تعمل "خادمة" في منازل المدينة نهاراً وحارسة للقبور ليلاً، كشفت عن دخلها الزهيد الذي يصل إلى نحو 100 دولار شهرياً. هذا المبلغ، رغم ضآلته في مجتمع مانيلا المخملي، يمثل طوق نجاة لعائلة تعيش في المقبرة؛ فهو يغنيها عن دفع إيجار منزل لا تستطيع توفيره في مدينة تبتلع الفقراء.

السكان هنا ليسوا مجرد عابرين، بل هم "حراس الأبدية"؛ يتقاضون مبالغ رمزية من أهالي الموتى مقابل تنظيف القبور، ترميم الرخام، وحراسة الأضرحة من اللصوص. لقد تحول الموت إلى "مهنة" توفر لقمة العيش لمن هم على قيد الحياة.


الفجوة الصارخة: قصور للأحياء وأضرحة كبيوت

الواقع في مانيلا يعكس تناقضاً أخلاقياً واقتصادياً كبيراً؛ فبينما يتم بناء مجمعات سكنية فاخرة لا يدخلها إلا الأثرياء، تضطر العائلات الفقيرة للاستحمام بمياه يجمعونها في زجاجات بلاستيكية من صنابير المقبرة العامة، ويقضون حاجتهم في الخفاء لغياب الصرف الصحي.

يقول أحد السكان: "الموتى هنا هادئون، وهم أرحم بنا من أصحاب العقارات في الخارج". تعكس هذه الكلمات المريرة حقيقة الأمان النسبي الذي يشعر به سكان المقابر؛ حيث الأسوار العالية تحميهم من جرائم الشوارع، والعيش المجاني يحميهم من التشرد المطلق.

غياب الدولة وأمل مفقود

ورغم أن السلطات تقوم بين الحين والآخر بحملات إخلاء وهدم للأكواخ غير القانونية، إلا أن السكان يعودون دائماً. فلا وجود لمشاريع إسكان اجتماعي تستوعب هذه الآلاف المؤلفة. ينمو الأطفال في المقبرة، يولدون فيها، وكثير منهم لا يعرف طريقاً للمدرسة، بل يتعلمون فنون حفر القبور ورعايتها منذ نعومة أظفارهم، ليصبحوا جيلاً جديداً في "مجتمع الأموات".

إن مأساة سكان مقابر مانيلا ليست مجرد أزمة سكن، بل هي صرخة في وجه التنمية غير العادلة، تذكر العالم كل يوم بأن هناك بشرًا يعيشون في "وقت مستقطع" بين حياة لا ترحم وموت ينتظرهم في الغرفة المجاورة.

تعليقات