بقلم: ناصر بن محمد الحارثي_ سلطنة عُمان مسقط
كانت أوروبا ترزح تحت سماء رمادية، لا يكسر صمتها إلا رنين العملات المعدنية وهي تسقط في صناديق الكنيسة المذهبة. هناك، خلف الأسوار العالية، لم تكن الأخلاق تُقاس بنقاء القلب، بل بطول الكيس الذي يحمله المرء في حزامه.
لقد رسموا للناس "المطهر" كغرفة انتظار مظلمة، يسكنها العذاب وتملؤها الصرخات، وأقنعوا الأرواح المتعبة أن النجاة ليست بالصلاة وحدها، بل بورقة ممهورة بختم "مقدس". الذي يغطي وجوه الجباة وهم يطوفون القرى؛ يبتسمون في وجه الأرملة الفقيرة وهي تبيع بقرتها الوحيدة، ويخبرونها بكلمات معسولة أن هذا "القربان" سيفتح لأحبائها أبواب الفردوس.
تدفقت الأنهار من الذهب نحو روما، ليس لإطعام جائع، بل لتشييد قصور باذخة وحياكة عباءات من حرير للكرادلة الذين نسوا ملمس ثياب الزهد. كان الإيمان يُباع بالمزاد العلني، وكان الفقراء هم الحطب الذي يغذي نيران هذا الجشع المتخفي خلف الصلبان.
ولكن، وكما يذوب القناع حين تشتد حرارة الحقيقة، ظهر "مارتن لوثر" في العام ١٥١٧م ليصدم العالم بحقيقة بسيطة: "الجنة لا تملك مفتاحاً يشتريه المال".نشر مارتن لوثر أطروحاته الخمس والتسعين احتجاجًا على هذه الممارسات المرتبطة بتمويل إعادة بناء كاتدرائية القديس بطرس، ويُعدّ هذا الحدث بداية الإصلاح البروتستانتي.
أطروحات لوثر ركّزت على أن الخلاص مرتبط بالإيمان والتوبة الداخلية لا بالوثائق المدفوعة، وانتشرت بسرعة وأثارت صراعًا دينيًا واسعًا انتهى بانفصاله عن الكنيسة الكاثوليكية.
تحطمت الصكوك، لكن الآلية لم تمت؛ فما زالت النفس البشرية تبحث عن "مخارج مالية" لآثامها، وما زال البعض يظن أن الضمير يمكن تخديره بتبرع سخي أو نقرة على شاشة هاتف.
تبدلت الأسماء، وتغيرت العملات، لكن الستار لا يزال يُسدل أحياناً على الحقيقة بالأسلوب نفسه: وعدٌ بالراحة، مقابل ثمنٍ يُدفع.
التاريخ لا يعيد نفسه… لكنه يغيّر الأقنعة فقط.

تعليقات
إرسال تعليق