زونغ… السفينة التي أغرقت الضمير الإنساني

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي_ عُمان – مسقط

في مساءٍ خانق من عام ١٧٨١م، كانت السفينة البريطانية زونغ"تشق طريقها ببطء عبر المحيط الأطلسي. لم يكن البحر هائجًا، لكن ما في بطن السفينة كان عاصفة مكتومة: أكثر من ٤٤٠ روحًا أفريقية مستعبدة، متلاصقة، تكاد أصوات تنفسهم تغرق في الظلام الدامس، حيث لا نور ولا هواء يذكر.


على سطح السفينة، كان القبطان لوك كولينجوود يحدّق في الأفق، عيناها تختلط فيهما القسوة والخوف. خطأ واحد في الحساب… درجة واحدة في الملاحة… كان الثمن باهظًا، لكنه لم يكن ثمنه بحسّ إنساني، بل بحسابات باردة في دفتر التأمين.


مرت الأيام، وبدأ الماء العذب للشراب ينفد. في تلك اللحظات، لم يكن القرار أخلاقيًا، بل قانونيًا بحتًا. القانون البحري البريطاني آنذاك كان واضحًا: المرض خسارة، أما إلقاء “البضائع” في البحر فتعويض.


في ٢٩ نوفمبر ١٧٨١م، اتُخذ القرار المروع.

لم تُرفع سكاكين، ولم تُسمع طلقات. الصمت كان السلاح الأقوى. امرأة تُسحب أولًا، طفل آخر يصرخ، ثم آخر… تُفتح نافذة الكابينة، ويسقط الجسد في مياه البحر الباردة… ولا يعود.

على مدى ثلاثة أيام متتالية، ابتلع البحر ١٣٢ إنسانًا. لم يغرقوا لأن السفينة كانت على وشك الهلاك، بل لأن الحسابات الاقتصادية قالت إن موتهم في الماء سيكون أربح


عندما وصلت "زونغ" إلى جامايكا في ديسمبر ١٧٨١م، لم يكن هناك خوف، ولا ندم. رفع المالكون دعوى قضائية ضد شركة التأمين، يطالبون بالتعويض كما لو أنهم فقدوا براميل من السكر أو الطحين.

وفي ١٧٨٣م، وقفت القضية أمام المحاكم البريطانية. قال أحد المحامين ببرودٍ مروّع:

 “السود… بضائع وممتلكات.”

لكن الحقيقة لم تُغرقها المياه إلى الأبد.

ظهر صوت من بين الركام: أولوداه إكويانو، العبد السابق، الذي رفض الصمت. ثم جاء جرانفيل شارب، حاملاً القصة إلى الشوارع والصحف والكنائس. ارتجّت بريطانيا للمرة الأولى، ولم يعد الناس يرون تجارة الرقيق كأرقام، بل كجثث تطفو على سطح الوعي.


لم يُسجن القبطان، ولم يُعاقب المالكون. لكن شيئًا ما انكسر في وجدان المجتمع البريطاني. وجوه الضحايا، أصواتهم، صرخاتهم التي عبرت البحر… بدأت تتسلل إلى الذاكرة الجماعية.


وبعد ستة وعشرين عامًا في عام ١٨٠٧م، أقرّ البرلمان البريطاني قانون إلغاء تجارة الرقيق، محاولة لتصحيح ما أفسده الجشع والقانون البارد.


أما البحر… فهو ما زال، حتى اليوم، يحفظ أسماء الذين سقطوا بلا قبور، ويشهد أن القوانين حين تفقد إنسانيتها قد تصبح أشد فتكًا من أقوى العواصف.

تعليقات