بقلم: ناصر بن محمد الحارثي_ عمان
لم يكن المساء استثنائيًّا، ولا السماء تنذر بعاصفة،
ولا الرجل الذي يقف أمام صندوق البريد يبدو مختلفًا عن آلاف العائدين من أعمالهم.
غير أنّ الظرف الأبيض الصغير الذي استقرّ في يده،
كان أثقل من وزنه،
وأعمق من قيمته.
أربعون دولارًا.
غرامة تأخير…
على فيلمٍ أُعيد بعد موعده.
لم يكن المبلغ فادحًا،
ولا مهينًا لرجل يعمل في البرمجة ويعيش حياة مستقرة،
لكن ما آلمه لم يكن الرقم،
بل المعنى
وقف ريد هاستينغز طويلًا،
كأن الزمن توقّف احترامًا لسؤالٍ وُلد في تلك اللحظة:
لماذا يُعاقَب الإنسان لأنه استمتع أكثر مما يسمح به النظام؟
كان السؤال بسيطًا،
لكنّ التاريخ يعرف أن أبسط الأسئلة…
هي أخطرها.
في أواخر تسعينيات القرن العشرين،
كانت صناعة تأجير الأفلام تقف شامخة؛
متاجر مضاءة، أرفف ممتلئة،
ونظام صارم لا يعرف الرحمة.
Blockbuster لم تكن مجرد شركة،
بل سلطة ترفيهية غير معلنة،تربح من الانتظار،
وتقتات على النسيان، وتحوّل التأخير البشري إلى مصدر دخل ثابت.
لم يكن ريد هاستينغز ثائرًا،
ولا صاحب خطاب ناري،
بل رجلًا يؤمن أن الحلول الكبرى
تبدأ غالبًا من ضيقٍ شخصي صادق
ذهب إلى صديقه مارك راندولف،
وجلسا في سيارة،
لا في مكتب فاخر،
ولا تحت أضواء المستثمرين.
سيارة عادية،
ورجلان يتقاسمان سؤالًا
لا يطلب إذنًا من أحد:
هل يمكن تأجير الأفلام دون غرامات؟
هل يمكن أن نثق بالناس بدل أن نعاقبهم؟
جرّبا كل شيء تقريبًا.
أفكارًا بدت واعدة ثم ماتت سريعًا.
محاولات أنهكها الواقع.
نماذج تجارية لم تصمد أمام السوق.
كان الفشل حاضرًا كظلٍّ ثقيل،
لكنّه لم يكن مهينًا،
بل معلّمًا صامتًا،
يقول لهما في كل مرة:
اقتربتما… لكن لم تصلا بعد.
ثم جاء ذلك اليوم العابر،
حين وقعت يد مارك على قرصٍ صغير،
خفيف، صامت، اسمه DVD
قرص يمكن إرساله بالبريد.
أرسلاه لأنفسهما كتجربة،وحين وصلهما سليمًا،
لم يحتفلا، بل تبادلا نظرة فهمٍ عميق.
كان ذلك أحد تلك الاكتشافات التي لا تُحدث ضجيجًا،
لكنها تغيّر الاتجاه. وُلدت الشركة عام ١٩٩٧م،
لا في ناطحة سحاب، بل من منزلٍ صغير،
بموقع إلكتروني بسيط،
وأيدٍ تُغلّف الأقراص يدويًّا،
وأحلام تُختبر كل يوم.
الخسائر كانت قاسية، والطلبات شحيحة، والاستمرار يتطلّب
بيع بعض الممتلكات.ومع ذلك…
لم يكن في المشروع ما يُغري سوى شيء واحد: العدالة.
عدالة تقول للمستخدم: خذ وقتك…
نحن لا نعدّ عليك الأيام.
في عام ٢٠٠٠م وقف ريد ومارك أمام عمالقة السوق آنذاك،
Blockbuster،
وعرضا شركتهما للبيع.
خمسون مليون دولار.
ضحكوا.
لم يكن الضحك قاسيًا،
بل واثقًا،
ضحك من يرى أن المستقبل قد حُسم.
خرج الرجلان مثقلين بالخذلان،
لكنّ الخذلان هذه المرة
لم يكن نهاية،
بل نقطة تحوّل.
بدل البيع…
غيّرا القاعدة.
اشتراك شهري بلا غرامات.
وكان ذلك القرار
أقرب إلى انقلابٍ هادئ
منه إلى تطويرٍ تجاري.
الناس لم يشتركوا
لأن الشركة أرخص،
بل لأنها تحترم وقتهم.
ومع تسارع الإنترنت،
أدرك ريد حقيقة أخرى:
من يربح الحاضر،
لا يضمن المستقبل.
في عام ٢٠٠٧م
انتقلت الشركة من الأقراص
إلى البث الرقمي،
مخاطِرة بكل ما بنته.
ثم ذهبت أبعد،
وقالت ما لم يجرؤ عليه أحد:
لن نكتفي بتوزيع القصص…
بل سنصنعها.
ومن هنا تغيّر كل شيء.
اليوم، يُشاهد بث Netflix
في أكثر من مئةٍ وتسعين دولة،
وتُقدَّر قيمتها بعشرات المليارات.
لكن التاريخ،حين يُسأل عن البداية،لا يذكر الأرقام،
ولا الأسهم،ولا الجوائز.
بل يذكر:
غرامةً صغيرة، ورجلًا لم يقبل
أن تكون القسوة هي القاعدة.
هكذا تبدأ التحوّلات الكبرى:
ليس بصوتٍ عالٍ بل بفكرةٍ عادلة رفضت أن تصمت.

تعليقات
إرسال تعليق