مزرعة الحرية الفصل الثاني

 بقلم_ فايل المطاعني


إهداء

إلى تلك الأرواح الجميلة التي تخاطب أرواحنا بهدوءٍ وسكينة

(قصر موتو)

لم يتزحزح الحارس من مكانه، ولم يردّ على تحيّتي، فقط رمقني بتلك النظرة الحائرة، ولا أدري لماذا أحسست أن وراء هذا الحارس سرًا كبيرًا!

وبعد دقائق من حوار النظرات، فُتحت البوابة، ومن شدّة الفرحة لم أفطن أن وراء الحارس رجلًا آخر، رمقه بنظرة كانت بمثابة إشارة الدخول إلى المزرعة. ومن قسوة الطريق وشدّة الحرارة، تخيّلت أن ذلك الحارس ما هو إلا رضوان، حارس الجنة، وأنني أنا مؤمن آل موسى الذي كتم إيمانه فأُدخل الجنة.

وقبل أن تُغلق البوابة بثوانٍ، جاء وافد آسيوي مرحّبًا بي. (محمد كاشف) هذا اسمه، شاب لطيف ذو بنية قوية، وبشرة بيضاء، وعينين عسليتين؛ تظن للوهلة الأولى أنه نجم من نجوم السينما. يتحدث الإنجليزية بطلاقة، على غير عادة أبناء جلدته الذين يتحدثونها بلكنة آسيوية. وعلمت منه أنه مهندس ميكانيكا قدم إلى عُمان بتأشيرة عامل؟!

فرح كثيرًا عندما أخبرته أنني من محبّي فؤاد، أشهر ممثل باكستاني. والحقيقة ليست لدي خلفية كبيرة عن السينما الباكستانية، غير أن هذا الممثل جميل، وقد أصبحتُ أنا ومحمد كاشف صديقين فيما بعد.

وعلى بُعد أمتار قليلة، عن يمين البوابة، توجد فيلتان صغيرتان تمتازان بجمال وأناقة التصميم وتلفتان الأنظار. قال لي محمد كاشف إن هذه الفلل مخصّصة للموظفين العُمانيين من مهندسين ومشرفين ومراقبي عمّال. وحتى الآن لم أعلم من الذي وجّه لي الدعوة لزيارة المزرعة، ولم أرغب في سؤال صديقي محمد كاشف؛ فالأكيد أنني سأحظى برؤية من أتى بي إلى هنا.

من البوابة إلى السكن مسافة خمسمئة متر، الطريق مرصوف بشكل أنيق وجميل، زُرعت على جانبيه أشجار النخيل والغاف، وشجر المانجروف المسمّى (بالكويتي). نعم، جاءني ذلك الشعور بالسعادة عند رؤية تلك المناظر الجميلة وأصوات العصافير. هنا أحسست بشعور يغمر قلبي بشيء من الارتياح، فأنا في مزرعة السعادة.

بعد المدخل بنحو ستمئة متر، وعلى اليمين، تقبع بيوت جاهزة (كرفانات) وُضعت بشكل غير متناسق، وكأن السائق الذي أتى بها – مثلي – استاء من الطريق المتعب، فصبّ غضبه على تلك البيوت المسكينة، فنثرها هنا وهناك، كما تتناثر قطع الإكسسوارات من جيد حسناء سقطت منها سهوًا.

أما على جهة اليسار من البوابة فالوضع مختلف تمامًا؛ فقد رأيت فيلا أكاد أجزم أنها أجمل فيلا يمكن للمرء أن يجدها في هذه الصحراء! مبنى يحاكي مدينة البندقية الإيطالية.

تحيط به من جهاته الأربع بحيرة اصطناعية، لا يمكن الوصول إليه إلا عبر جسر صغير معلّق بسلسلة ممتدة إلى الأعلى، تُفتح عندما يُقرع الجرس الضخم الموجود عند البحيرة الاصطناعية.

المبنى مزيّن بالقرميد الأحمر، وسقفه على شكل مثلث حاد الزوايا، وتحيط به أشجار المانجو والليمون وزهرة السوسن إحاطة السوار بالمعصم، ولا يكاد يُرى من المبنى سوى سقفه الأحمر!

وعندما سألت مرافقـي قال لي:

— ذلك بيت الضيافة.

ثم أضاف ضاحكًا:

— (قصر موتو).

وحين سألته عن معنى الاسم، قال بعد أن اطمأنّ لي:

— موتو تعني “السمين” في لغتنا، والمشرف هو من يسكن هذا البيت.

هنا أدركت، بحسّي الصحفي، أن لهذا البيت حكاية. فهل يُعقل أن تُصرف مبالغ طائلة على هذا القصر من أجل أن يسكنه “السمين”؟

غدًا سنكمل بقية الحكاية.

تعليقات