المتسوّل الذي بنى أعظم إمبراطورية للرحمة

  بقلم: ناصر بن محمد الحارثي

قصة رجل بدأ من الشارع… وانتهى في قلب وطن

في عام ١٩٢٨م، في بلدة صغيرة تُدعى بانتفا (Bantva) بولاية غوجارات في الهند، وُلد طفلٌ في بيتٍ فقيرٍ لا يملك من الدنيا إلا الكفاف.

لم يكن أحد يعلم أن هذا الطفل سيغيّر لاحقًا معنى الإنسانية، وأن اسمه سيُذكر يومًا مقرونًا بالرحمة الخالصة.


نشأ في بيئة قاسية، تعلّم فيها مبكرًا أن الجوع ليس ألمًا جسديًا فقط، بل كسرٌ صامتٌ في الكرامة، وأن الفقر لا يُهين الجسد وحده، بل يختبر إنسانية البشر من حولك.


وفي عام ١٩٤٧م، حين انقسمت الهند، تبدّل مصير الملايين.

اضطر الفتى مع عائلته إلى الهجرة نحو دولةٍ جديدة اسمها باكستان، ليستقر في مدينة كراتشي.

لم يكن يحمل شهادة، ولا مالًا، ولا علاقات…

كان يحمل فقط قلبًا شاهد الألم مرتين:

مرة في وطنٍ غادره قسرًا، ومرة في منفى بدأ فيه من الصفر.


عمل في بداياته بائعًا بسيطًا في سوق شعبي، يبيع الأقمشة ليؤمّن قوت يومه.


لكن المدينة كانت تعلّمه درسًا آخر كل يوم.

كان يرى المرضى يُنقلون على عربات خشبية، ويرى نساءً يفقدن أبناءهن لأن سيارة الإسعاف لا تأتي،

ويرى فقراء يموتون لا لعدم وجود المستشفيات…

بل لعدم وجود من ينقلهم إليها.


في أوائل خمسينيات القرن العشرين، ومع تفشي الأوبئة وتفاقم المعاناة الصحية، اتخذ قراره الذي سيغيّر تاريخ العمل الإنساني في باكستان.

خرج إلى الشارع…

وبدأ يتسوّل.


لم يكن يتسوّل لنفسه،

بل ليجمع المال لشراء سيارة إسعاف واحدة.


وبالفعل، في عام ١٩٥١م، اشترى سيارة قديمة متهالكة، وحوّلها بجهده المتواضع إلى سيارة إسعاف، وأسس نواة عمله الخيري الذي سيُعرف لاحقًا باسم 


 *مؤسسة إدهي.* 


لم يتوقف عند سيارة واحدة.

كلما رأى حاجة، عاد إلى الشارع.

كلما امتلأت الطرقات بالموت، زاد عدد سيارات الإسعاف.

ومع مرور السنين، تحوّل العمل الصغير إلى شبكة إنسانية هائلة.


بحلول العقود التالية:


* أصبحت مؤسسته تدير أكبر أسطول سيارات إسعاف تطوعية في العالم، يضم نحو *١٨٠٠* سيارة إسعاف.

 أنشأ دور أيتام، وملاجئ للنساء، ومراكز صحية في أنحاء باكستان.


 وفّر خدمات دفن كريمة للمجهولين الذين لا يسأل عنهم أحد.

وقدّم المساعدة دون سؤال عن الدين أو العرق أو الجنسية.

درّب أكثر من *40 ألف* ممرض وممرضة للعناية بالناس في أشد لحظات ضعفهم.


ورغم كل ذلك…

عاش حياةً شديدة البساطة، كان ينام على الأرض، ويرفض أن يتقاضى راتبًا، ويرتدي أبسط الثياب، كأن المال لو اقترب منه… لخجل من فكرته.


بحلول سنواته الأخيرة، كان مسجّلًا كوليّ أمر لما يقرب من *٢٠

 ألف طفل يتيم.* 

عُرف بين الباكستانيين بلقب « *ملاك الرحمة* »،

ووُصف بأنه الشخصية الأكثر احترامًا وتأثيرًا في البلاد.

وفي عام _٢٠١٣م_ ، وصفتْه صحيفة Huffington Post بأنه

«أعظم ناشط خيري حي في العالم».


رُشِّح مرارًا لجائزة نوبل للسلام،

وحصل على جوائز محلية ودولية مرموقة،

من أبرزها جائزة رامون ماجسايساي وجائزة اليونسكو – مادانجيت سينغ، كما قدّم مساعدات إنسانية خارج حدود بلاده، شملت ضحايا المجاعة في إثيوبيا عام ١٩٨٥م، وضحايا الكوارث الطبيعية حول العالم.


وفي ٨ يوليو ٢٠١٦م، توفي عن عمر ناهز ٨٨ عامًا.

وحين أُعلن خبر وفاته،

توقفت باكستان عن الكلام…

وبدأت بالبكاء.


خرج في جنازته أكثر من مليون شخص،

وأُقيمت له جنازة رسمية وشعبية،

وأُعلن الحداد الوطني،

ونُكّست الأعلام،

كأن الوطن كله يعترف أخيرًا:

هذا الرجل… كان قلبه.


ذلك الإنسان…

الذي بدأ حياته فقيرًا،

وتسوّل ليصنع حياةً للآخرين،

وغادر الدنيا دون مال…

لكنه ترك أثرًا لا يُقاس.


هذا الرجل هو:عبد الستار إدهي 



تعليقات