بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
قبل ثلاثة آلاف عام، لم تكن الهند مجرد أرض معابد وأساطير، بل مسرحًا لنظام اجتماعي صارم، يقرر مصير الإنسان منذ لحظة ولادته، لا بعمله ولا بعقله، بل بالدم الذي يجري في عروقه.
نظامٌ عُرف باسم نظام الطبقات (الكاست)، أحد أقدم أشكال التمييز الاجتماعي في التاريخ الإنساني.
في هذا النظام، لم يكن السؤال: من أنت؟
بل: في أي طبقة وُلدت؟
والإجابة كانت كافية لتحدد: أين تسكن، ماذا تعمل، من تتزوج، وحتى كيف تُدفن.
تحت غطاء ديني وفلسفي، قُسّم المجتمع الهندي وفق ما عُرف بـ (الفارنات الأربع) ، وهو تقسيم ذُكر في النصوص الفيدية القديمة، ثم كُرّس لاحقًا في قوانين مانو.
١. البراهمة : ظل الآلهة على الأرض
في القمة، وقف البراهمة؛ الكهنة وحملة المعرفة الدينية.
كانوا يُنظر إليهم بوصفهم الأقرب إلى الآلهة، لا يجوز إهانتهم، ولا يُسمح لهم بالانخراط في “أعمال الدنيا” كالزراعة أو التجارة.
كلمة براهمي واحدة كانت أقدس من دم غيره، ومكانته محصنة بالنص والطقس والخوف.
٢. الكشاتريا : السيف الذي يحرس المعبد
تحتهم مباشرة، جاءت طبقة الكشاتريا؛ الملوك والمحاربون.
هم من حكموا، وقاتلوا، وفرضوا القوانين، لكنهم ظلوا دومًا أقل قداسة من البراهمة.
توازنٌ دقيق بين السيف والمعبد: قوة تحكم، ودين يبارك.
٣. الفيشيا : أغنياء بلا سلطة
ثم الفيشيا؛ التجار والمزارعون ومربو الماشية.
كانوا عماد الاقتصاد، يُسمح لهم بجمع الثروة، لكن المال وحده لم يكن كافيًا.
لا سلطة سياسية، ولا مكانة دينية، وكأن الغنى في الهند القديمة كان بلا روح.
٤. الشودرا : الأيدي التي تعمل ولا تُرى.
في أسفل الهرم، عاش الشودرا؛ العمال والخدم.
وُجدوا ليخدموا الطبقات الثلاث الأعلى، بلا حق في التعليم، ولا أمل في الترقّي.
مجتمعٌ أغلق أبوابه في وجوههم، وأخبرهم بصمتٍ قاسٍ: مكانكم هنا في القاع… إلى الأبد.
لكن المأساة الحقيقية لم تكن داخل الهرم… بل خارجه.
هناك عاش (الداليت)، أو ما عُرف تاريخيًا بـ “المنبوذين”.
لم يُحسبوا ضمن الطبقات أصلًا، واعتُبروا “غير طاهرين”.
أُجبروا على أعمال وُصفت بالنجسة:
تنظيف المراحيض يدويًا، التعامل مع الجثث، دباغة الجلود.
حُرموا من دخول المعابد، ومن استخدام آبار المياه العامة، بل وحتى من ظلّ الآخرين.
كان مجرد لمسهم كافيًا – في نظر النظام – لجلب النجاسة.
١٩٥٠: القانون ينتصر… والمجتمع يتردد
بعد الاستقلال، أعلنت الهند في دستور ١٩٥٠ إلغاء نظام الكاست قانونيًا، وحرّمت “النبذ” صراحة في المادة ١٧.
انتصارٌ مكتوب بالحبر… لكنه لم يُمحَ من القلوب.
حتى اليوم، لا يزال الانتماء الطبقي يؤثر في:
_الزواج
فرص العمل
النفوذ السياسي
الانتخابات_
هندٌ تطلق الأقمار الصناعية إلى الفضاء، لكنها ما زالت تصارع إرثًا اجتماعيًا عمره آلاف السنين.
الهند كما هي… لا كما تُروى في الأساطير
هذه هي الهند التي لا تظهر في البطاقات السياحية.
حضارة عظيمة، نعم…
لكنها تحمل في عمقها جرحًا تاريخيًا لم يندمل بعد.
فهنا، لم يكن الإنسان يولد حرًا…
بل يولد مصنَّفًا .

تعليقات
إرسال تعليق