بطاقة تهنئة

قلم:  محمد الرياني

كلُّ التحايا التي كانت تأتيه منها يدسُّ نفحها بين أضلعه ، يخبئها حتى يأتي موسمها ، وحدها هي التي تأتي تحيتها معطرة رقراقةً مثل نسيم الربيع ، وعندما تستقر أمامه يضعها في مأمنٍ كي لا تبخرها الشمسُ فتهرب نحو صفيحِ النهار .

جاءتْه يومًا تهنئةٌ ملونة ، كان يحتفل بعيد ميلاده ، ولم يكن أحدٌ قد أهداه هديةً في أعياده البائدة ، وفجأةً تهادتْ نحوه هديةٌ رائعةٌ دون سابق معرفة ، ولم يكن ينتظر أحدًا يدفع له بهديةٍ وقد بلغ من العمر ما بلغ .

كتبتْ له إن العمرَ مجرَّدَ رقمٍ فلا تنزعج من عقود العمر ، أرأيتَ عقودَ الفلِّ كيف تبدو جميلةً وقد تكاثرتْ وتناثرتْ حولها حباتُ الفل ؟

أرأيتَ أوراقَ الخريفِ كيف تسقط بتواضعٍ لتسمحَ لأوراقِ الربيع أن تُكملَ مسرحيةَ العمر!

استفاقَ من غفلةٍ وهو يتحسسُ مواطنَ بياضِ الرأسِ وبقايا الشَّعرِ  الذي غادر في موسم الحصاد .

لم يجبها وانتظرَ تحيةً أخرى مثل الماءِ الباردِ ليغسلَ وجعَ السنين وجفافَ الأيامِ العجاف .

قالت له في تحيةٍ أخرى وقد رشَّتْ على أوراقِ التحيةِ رائحةَ عطرٍ بماركةٍ عالية : هذا عطرُكَ في الشباب ، هل تذكره؟

بالفعل عندما جعلَ كارت التحية قريبًا من أنفه عادت سنواتُ الشبابِ ركضًا وتذكَّرَ قميصه الأخضر المخطط بالبياض ، وشعره الأسود المتدلي على جانبي رأسه ، ورائحة العطر .

أعاد إليها كارت التحيةِ يبادلها الشكر والعرفان .

نام في تلك الليلة وهو يحلم كما يفعل الشباب ، وعندما أصبح الصباحُ وجد تحت وسادته بطاقةَ تهنئةٍ أخرى بعيد ميلاده الجديد .

لم يقرأ الكتابة جيدًا ؛  لأن دمعَ عينيه سبقه نحو الكتابةِ ليمحوَ زيفَ الأحلامِ والرَّقمَ المجرَّد  .

تعليقات