الطفل الذي انتصر على صلاح الدين الأيوبي*

بقلم ناصر بن محمد الحارثي _عُمان مسقط 

هذا الملك، انتصر على صلاح الدين الأيوبي وهو في ١٦ من عمره فقط.

في القرن الثاني عشر الميلادي، وبين أسوار القدس المتعبة من الحصار والحروب، كان التاريخ يستعدّ لكتابة مفارقة نادرة.

وريثٌ شاب يعتلي العرش عام ١١٧٤م ، في زمنٍ لا يرحم الضعفاء، ولا يعترف إلا بالقوة. غير أن تحت الثياب الملكية والتاج الذهبي، كانت تسكن مأساة صامتة؛ جسدٌ ينهشه مرض الجذام ببطء، وملامح شابٍ لم يعرف يومًا حياة بلا ألم. كان يُخفي وجهه، لكنّه لم يُخفِ روحه… ولم يختبئ.

وُلِد هذا الملك عام ١١٦١م، ولم يبلغ الحلم حين وُضعت على كتفيه مسؤولية مملكةٍ مهدَّدة بالزوال. وفي خضم الحروب الصليبية ومع ذلك، لم يتنازل، ولم يُسلّم أمره للوصاية الكاملة، بل أصرّ أن يكون حاضرًا في زمن الرجال، رغم جسدٍ يخونه يومًا بعد يوم.

وفي عام ١١٧٧م، حين تقدّم القائد المسلم الأشهر في عصره، صلاح الدين الأيوبي، بجيشٍ يفوق خصومه عددًا وعدّة، توقّع الجميع نهاية سريعة. كانت مملكة القدس تعاني الانقسام، والمرض ينخر جسد ملكها، والميزان العسكري يميل بوضوح إلى صالح المسلمين.

لكن ما حدث عند معركة (مونتجيسارد) لم يكن في حسابات أحد.

خرج الملك الشاب بنفسه إلى المعركة، ممتطيًا جواده، يقود جيشًا صغيرًا يائسًا، لا يتجاوز بضعة آلاف. وفي المواجهة، وقف جيش صلاح الدين الكبير. ومع ذلك، وبجرأة تكاد تكون انتحارية، تحوّل المستحيل إلى واقع؛ هُزم صلاح الدين في واحدة من أندر هزائمه العسكرية، وتراجع جيشه، بينما بقي اسم ذلك الملك يتردّد بدهشة في الشرق والغرب.


لم يكن النصر عسكريًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا. فقد روت المصادر التاريخية أن صلاح الدين، رغم الهزيمة، أبدى احترامًا عميقًا لخصمه الشاب، وعرف بمرضه، وتعامل معه بروح الفروسية السائدة آنذاك، حتى نُقلت روايات عن إرسال أطباء مسلمين لتقديم المشورة والعناية للملك الشاب والحرص على عدم الإساءة إليه.

في ذلك اليوم، وُلدت أسطورة.

لكن الأساطير، مهما علت، لا تنتصر على القدر.

تقدّم المرض بلا رحمة، وبدأ الجسد ينهار عامًا بعد عام، حتى رحل الملك عام ١١٨٥م، عن عمرٍ لم يتجاوز أربعةً وعشرين عامًا. وبعد وفاته بعامين فقط، وفي عام ١١٨٧م، دخل صلاح الدين الأيوبي القدس، لتُطوى صفحة، وتُفتح أخرى في تاريخ المدينة.

وهنا فقط، في نهاية الحكاية، يُكشف الاسم.

ذلك الطفل الذي انتصر على صلاح الدين وهو في السادسة عشرة… هو الملك بلدوين الرابع، ملك القدس.

تعليقات