أيتها القلوب… إلى أين؟
بقلم: سميرة أمبوسعيدية
في زمنٍ تكثر فيه الشعارات وتخبو فيه النوايا، نعيش بين قلوبٍ اختلفت ألوانها؛ منها ما يضيء كالنور، ومنها ما اسودّ بفعل الحقد والبغضاء.
القلوب السوداء… تلك التي تزرع الشوك في دروب الخير.
تجدها بين الناس، وفي المجالس، وحتى في أروقة الفرق والجمعيات التطوعية. تتسلل سمومها في هيئة نصيحة، وتبثّ فتنها باسم الحرص، بينما الحقيقة أنها لا ترى في النقاء إلا تهديدًا، ولا في النجاح إلا غصّة.
من أين جاء كل هذا السواد؟
من قلوبٍ لم تُربَّ على المحبة، ولم تُطهَّر من أمراض الكِبر والغيرة. قلوب امتلأت بالحسد حتى ضاقت على أصحابها، فراحوا يتفننون في كسر الآخرين، لا لشيء، إلا لأن ضوءهم أوجع عتمتهم.
وفي الفرق التطوعية—حيث يُفترض أن يكون العطاء خالصًا، والنية طاهرة—يُفاجَأ البعض بمن يتربّص، ويُشكك، ويُحرّف، ويُقصي، وينفث سُمّه بصمتٍ بين الأعضاء، ثم يقول: «أنا حريص».
وهكذا يتحول العمل الجماعي إلى ساحة صراع خفي، ينهشه الغِلّ، وتُطفئ وهجه الأنانية.
أيتها القلوب… إلى أين؟
أما آن الأوان أن نعود لأنفسنا؟ أن نراجع دوافعنا؟ أن نتطهر من أمراض الداخل؟
فما قيمة الإنجاز إن كان على أنقاض الأرواح؟ وما فائدة العمل التطوعي إن لم يزرع فينا الرحمة قبل أن نمنحها للناس؟
أما تعبتم من حمل الضغينة؟
أما آن لكم أن تتذوقوا لذة الإخلاص؟ تلك الفضيلة النادرة التي لا يسكنها رياء، ولا تعكّرها المصالح.
الإخلاص هو أن تعمل بصمت، أن تمنح دون انتظار تصفيق، وأن تفرح بنجاح غيرك كما تفرح بنجاحك.
أيتها القلوب…
ما قيمة العمل إن خلا من النية الصافية؟
وما نفع التنافس إن لم يُزهِر احترامًا؟
العمل التطوعي لا يُزهر إلا بقلوب خاشعة لله، نقيّة للناس، لا تحركها الأضواء، بل يقودها حب الخير.
أيتها القلوب… إلى أين؟
طهّروا دواخلكم، ولا تجعلوا من ساحات الخير ميادين لتصفية الحسابات.
أخلصوا النية، تسعدوا بالبركة.
أخلصوا العطاء، تنالوا الرضا.
أخلصوا القلوب، يعمّ الصفاء.
فما خُلقنا لنتفاخر، بل لنتفانى.
وما رُزقنا العطاء لنغتر، بل لنتواضع.
الإخلاص سرّ البركة، وجوهر الثبات؛ فمن أخلص في خدمته، رفعه الله، وأحبّه الناس، وبقي أثره ولو رحل.
أيتها القلوب… عودوا،
فأنقى الأعمال ما سُقي بالإخلاص.
إن أعظم ما نحمله في قلوبنا ونحن نخدم الآخرين هو النية الطيبة: أن نكون صادقين في عطائنا، نُعين لا نُعيق، نُرمم لا نكسر، نُشجّع لا نُنافس بالتحطيم.
أيتها القلوب… عودوا، فأنقى الأعمال ما سُقي بالإخلاص.

تعليقات
إرسال تعليق