تذكرةُ العبور إلى قلوب البشر

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي _عُمان 

 أعظم عرض في تاريخ السينما

يقول تشارلي تشابلن، الرجل الذي أضحك الملايين بصمته:

"يتساءل الناس دائماً عن سرّ تلك المسحة من الحزن التي تغلّف ضحكاتي على الشاشة، وعن سرّ انحيازي الدائم للمهمشين والفقراء.. الحقيقة أن كل ما قدمتُه في حياتي لم يكن إلا صدىً لعرضٍ واحد شاهدتُه في طفولتي، وكان أجمل أيام حياتي على الإطلاق، رغم أنني لم أدفع ثمن تذكرته.


أتذكر ذلك اليوم جيداً، كنتُ طفلاً صغيراً أتشبث بيدي والدي ونحن نقف في طابور طويل أمام خيمة السيرك، ننتظر دورنا بلهفة لمشاهدة العجائب. وأمامنا مباشرة، كانت تقف عائلة لفتت انتباهي بهدوئها المهيب؛ أب وأم وستة أطفال. كان الفقر يطلّ من ثقوب ثيابهم، لكن وجوههم كانت مغسولة بماء العزة، والأطفال يتهامسون ببهجة غامرة عن الفيلة والمهرجين وعن اللحظات السعيدة التى سيعيشونها برفقة والديهم.


حين جاء دورهم، تقدم الأب نحو شباك التذاكر وسأل بوجل عن ثمن التذاكر. وعندما نطق الموظف بالرقم، رأيتُ العالم ينهار في عيني ذلك الرجل. تجمد مكانه، وانحنى يهمس لزوجته بكلماتٍ بدت وكأنها استغاثة صامتة، بينما علامات الإحراج تكسو وجهه أمام أطفاله الذين كانوا ينتظرون العبور نحو الحلم.


في تلك اللحظة، رأيتُ والدي يفعل شيئاً لم أنسه قط. مدّ يده إلى جيبه، وأخرج ورقة نقدية (كانت كل ما نملك في تلك الليلة)، وبحركة خفيفة، ألقاها على الأرض خلف الرجل. ثم انحنى والتقطها، وربت على كتف الأب قائلاً بصوتٍ رخيم:

«معذرة يا سيدي، لقد سقطت منك هذه النقود».


استدار الرجل، ونظر إلى عين والدي نظرةً لم تستغرق ثوانٍ، لكنها كانت تختصر تاريخاً من الامتنان. كانت الدموع تترقرق في عينيه وهو يقبض على الورقة النقدية، لا طمعاً، بل لكي لا يكسر قلوب صغاره الستة في تلك الليلة.


شاهدناهم وهم يعبرون بوابة السيرك بوجوهٍ تفيض بالفرح، بينما جذبني والدي من يدي بهدوء لنتراجع عن الطابور ونعود أدراجنا إلى البيت. لم نشاهد العرض، وعدنا بجيوب خاوية، لكنني عدتُ وأنا أحمل في قلبي أعظم درس في الإنسانية. كيف نستر حاجة الآخرين دون أن نجرح كرامتهم.


ومنذ ذلك اليوم وأنا فخور بأبي.. كان ذلك العرض أجمل عرض شاهدته في حياتي، أجمل بكثير حتى من عرض السيرك الذي لم أشاهده."


ومن يومها، أدركتُ أن العظمة لا تكمن في ما نؤديه فوق خشبة المسرح، بل في تلك المواقف التي نؤديها خلف الستار، حيث لا يصفق لنا أحد سوى ضمائرنا."


«تُنسب هذه القصة إلى تشارلي تشابلن، وقد تناقلتها كتب ومقالات بوصفها حكاية رمزية عن إنسانيته».

تعليقات