قصة الرجل الذي أنقذ العالم

بقلم:  ناصر بن محمد الحارثي _ عُمان


في تلك الليلة الباردة في ال ٢٦ من سبتمبر ١٩٣٨م، لم يكن في السماء ما يوحي بأن العالم يقف على حافة نهايته.

السماء هادئة والنجوم في أماكنها… الأرض تدور… والناس نيام.

في غرفة محصّنة، عميقة تحت الأرض في العاصمة جنوب العاصمة موسكو في مخبأ ومركز قيادة أجهزة الإنذار المبكر السوفييتي المعروف باسم “Serpukhov-15” ، جلس (ستانيسلاف بتروف) أمام شاشات خضراء صامتة. ضابط سوفيتي في منتصف الأربعينيات من عمره، ليس سياسياً، ولا بطلاً أسطورياً، بل إنساناً عادياً يحمل على كتفيه مسؤولية غير عادية.

كان مركز الإنذار المبكر السوفيتي يراقب السماء بلا انقطاع لحظة بلحظة. 

وفجأة...صرخت الأجهزة.

صوت الإنذار شقّ الصمت كالسيف.

وعلى الشاشة ظهرت كلمة واحدة مرعبة:

إطلاق صاروخ نووي من الولايات المتحدة.

ثم صاروخ ثانٍ…

ثم ثالث…

ثم رابع…

ثم خامس

خمس نقاط ضوئية تتجه نحو الاتحاد السوفيتي.

إرتعب الجميع وساد التوتر في الأجواء. 

تجمّد الهواء في صدر بتروف.

صاحب القرار والكلمة. 

هذا هو السيناريو الذي تدربوا عليه سنوات طويلة.

هذا هو اليوم الذي قيل لهم إنه سيأتي يوماً ما.

وفق التعليمات العسكرية، لم يكن مطلوباً منه التفكير، بل التبليغ فوراً.

التبليغ يعني دقائق فقط…

وكل دقيقة تحمل معها أرواحا ومصير أمة. 

دقائق تعني ردّاً نووياً شاملاً…

وردّاً شاملاً يعني "نهاية العالم كما نعرفه"

رفع بتروف يده…ثم أنزلها.

نظر إلى الشاشة مرة أخرى.

شيء ما لم يكن منطقياً.

لماذا خمسة صواريخ فقط؟

لماذا يبدأ هجوم نووي شامل بعدد محدود؟

أين التأكيد من الرادارات الأرضية؟

لماذا يعتمد كل شيء على نظام أقمار صناعية حديثة لم تُختبر بما يكفي؟

بدأ قلبه يخفق بقوة حتى كاد يسمعه الجميع. 

العرق سال على جبينه.

لم يكن يخشى العقاب العسكري…

كان يخشى أن يخطئ، فيُشعل جحيماً لا يمكن إيقافه.

في تلك اللحظة، لم يكن بتروف ضابطاً فقط…

كان إنساناً أمام مصير البشرية كلها

تنفّس بعمق.

وأمسك الهاتف.

وقال الجملة الأخطر في حياته:

 " الإنذار كاذب ."


لم تمرّ الدقائق بعدها…

بل مرت كأنها أعوام.


كل ثانية كانت سؤالاً:

هل أخطأت؟

هل كنت مغروراً؟

هل سأكون سبباً في دمار بلادي؟


لكن…

لم تسقط قنابل.

لم تشتعل السماء.

لم تنتهِ الحياة.


بعد التحقيق، تبيّن أن ما حدث لم يكن هجوماً، بل خللاً تقنياً:

انعكاس أشعة الشمس على سحب عالية خدع الأقمار الصناعية، ففسرتها على أنها حرارة محركات صواريخ.


نجا العالم…

بقرار رجل واحد.


لم يُكرَّم بتروف في حينه.

يالسخرية القدر 


بل وُوبخ بتروف لأنه لم يلتزم حرفياً بالبروتوكول.

وعاش سنوات طويلة في الظل، بصمت، بعيداً عن الأضواء.

في صباح ذلك اليوم التالي ال ٢٧ من سبتمبر عام ١٩٨٣م،

بعد ان نام الناس بهدوءٍ وسكون. ومع صفارات الإنذار وتوهج شاشات التحذير في مركز المراقبة تحت الأرض، كان القرار بيد ضابط واحد فقط (ستانيسلاف بتروف) . بقراره بعدم تصعيد الأزمة، وعدم الضغط على زر الموت والدمار. أستمر البشر في حياتهم الطبيعية دون أن يدروا أن لحظة نهاية العالم المحتملة مرت من فوق رؤوس الجميع وهم نيام بهدوءٍ دون أن يدروا . 


وفي العام ٢٠٠٦م تم تكريم ستانسلاف بتروف رسميًا بعد كشف قصته للعالم،

في حفل أقيم في مقر الأمم المتحدة في نيويورك حيث تسلم جائزة World Citizen Award تقديراً لدوره في تجنب حرب نووية، وذلك بعد أكثر من عقدين على الحدث الذي وقع عام ١٩٨٣. 

 حاز تقديراً عالمياً وأُطلق عليه اسم «الرجل الذي أنقذ العالم»، في ال ٦٦ من عمره. لكنه ظل متواضعاً وقال إنه «لم يفعل شيئاً خارقاً، بل فقط اتخذ القرار الصحيح».

تعليقات