القرّاء في العصر الحديث: تحوّلات في العادات والاهتمامات

بقلم:  ليلي حسيب


شهدت علاقة الإنسان بالقراءة تحوّلات كبيرة في العصر الحديث، نتيجة التطور التكنولوجي المتسارع وتغيّر أنماط الحياة. فلم يعد القارئ اليوم هو نفسه قارئ الأمس، لا من حيث الوسيلة ولا من حيث الدوافع ولا حتى نوعية المحتوى المقروء.

أولاً، تنوعت وسائل القراءة بشكل ملحوظ. فبعد أن كان الكتاب الورقي هو المصدر الأساسي للمعرفة، ظهرت الكتب الإلكترونية، والمقالات الرقمية، ومنصات القراءة عبر الهواتف الذكية. هذا التحول سهّل الوصول إلى المعرفة، لكنه في الوقت نفسه قلّل من زمن التركيز لدى بعض القرّاء، حيث أصبحت القراءة سريعة ومجزأة.

ثانياً، تغيّرت اهتمامات القرّاء. يميل كثير من القرّاء اليوم إلى المحتوى القصير والمباشر، مثل المقالات المختصرة أو المنشورات الرقمية، بينما تراجع الإقبال على الكتب الطويلة والمتعمقة، خاصة بين فئة الشباب. ومع ذلك، لا يزال هناك قرّاء يحافظون على حب الروايات والفكر والفلسفة، ما يدل على أن القراءة العميقة لم تختفِ بل أصبحت أقل انتشارًا.

ثالثاً، تأثرت القراءة بثقافة السرعة. فالعصر الحديث يقوم على الإنجاز السريع وتعدد المهام، مما انعكس على طريقة القراءة، حيث يسعى القارئ إلى الحصول على المعلومة بأقصر وقت ممكن، أحيانًا على حساب الفهم والتحليل.

ومع كل هذه التغيرات، تبقى القراءة عنصرًا أساسيًا في بناء الوعي وتطوير التفكير. فالتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في قلة المصادر، بل في اختيار ما يُقرأ وكيف يُقرأ. ومن هنا تبرز أهمية تشجيع القرّاء، خاصة الشباب، على التوازن بين القراءة السريعة والقراءة العميقة، وبين الوسائل الرقمية والكتاب الورقي.

 يمكن القول إن القارئ المعاصر ليس أقل اهتمامًا بالمعرفة، بل مختلفًا في أسلوبه وأدواته. ويبقى مستقبل القراءة مرهونًا بقدرتنا على توجيه هذا التغير نحو تنمية العقل لا تشتيته.

تعليقات