صوت الموت في رواندا: حين تكلّم الراديو وسكت الضمير

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي _عمان


لم يكن أول ما سقط في رواندا جسداً، بل سقط المعنى الحقيقي للحياةِ والرحمة. 

قبل أن تُرفع المناجل، وقبل أن تُغلق الأبواب على صرخات أصحابها، خرج صوتٌ من جهاز راديو صغير، ينتقل بين البيوت كما ينتقل الهواء، يحمل كلماتٍ بدت عادية، لكنها كانت مشبعة بالموت.

في عام "1994"، لم تكن إذاعة" RTLM" تبث موسيقى أو أخباراً، بل كانت تبث "كراهية مصفّاة بعناية" 

كانت تسمي البشر “صراصير”، وتطلب “قطع الأشجار الطويلة”، وتضحك وهي تفعل ذلك.

وحين يُجرد الإنسان من اسمه، يصبح قتله أمراً سهلاً

لم تكن رواندا ساحة حرب تقليدية، بل مسرحاً لجريمة تُرتكب بالكلمة أولاً.

الجار عرف موعد موت جاره من الراديو، والقاتل عرف عنوان ضحيته من نشرة إذاعية.

في أقل من مئة يوم، تمدد الصمت فوق "مئات الآلاف من

 الجثث"، ٨٠٠ الف انسان قتلوا بوحشية في ١٠٠ يوم فقط. 

حتى صار الصمت نفسه شاهداً.

العالم كان يستمع.

اللغة كانت واضحة.

لكن القرار كان الغياب.

وعندما انتهت الإبادة، لم تنتهِ القصة.

ظل صوت RTLM يتردد في ذاكرة الناجين، كدليل دامغ على أن اللغة حين تفقد إنسانيتها، تتحول إلى أداة إبادة.

تعليقات