ألكسندر غراهام بيل سيمفونية الصمت والحب

 بقلم: ناصر بن محمد الحارثي –   عُمان

هل كنت تعلم أن مخترع الهاتف قضى حياته محاطًا بالصمت، لا كعائق، بل كنبعٍ من الإبداع؟

ولد ألكسندر غراهام بيل في ٣ مارس ١٨٤٧م في إدنبرة باسكتلندا، في عائلة تعلّمت أن الصوت هو أكثر من مجرد موجة هواء — إنه جسورٌ نحو البشر. 

والده ألكسندر ميلفيل بيل وُلد منه شغف الكلام، وكانت والدته إليزا غريس سيموندز بيل عازفة بيانو محبوبة رغم ضعف سمعها، مما زرع في قلبه منذ طفولته رغبةً عميقة في فهم الصوت وكيفية نقله. 

ولم يكن شغفه بالصوت مجرد فضول علمي، بل كان دافعًا إنسانيًا مؤلمًا — حلمًا في أن يجعل العالم مكانًا يمكن فيه لكل صوت أن يسمع، ولو بطرقٍ غير تقليدية.

كانت مساعيه العلمية تتشابك مع البشر كما تتشابك الأوتار في سيمفونية مكتملة، حتى التقى ذات يوم بـ مابيل غاردينر هوبارد — الشابة الأمريكية الرقيقة التي فقدت سمعها في سن الخامسة نتيجة مرضٍ عضال. 

لم يرَ فيها بيل عجزًا، بل «روحًا تحاول الهروب من سجن السكون». لقد أحبها لأنها في صمتها ذكّرته بواحدةٍ أحبها في صباه — والدته. 

كان بيل يهمس في أذن مابيل، ليس لكي تسمعه بالطريقة التقليدية، بل لكي تشعر باهتزاز الصوت على جلدها — تلك اللمسات التي زُرعت في فكره فكرة كانت أن تُغيّر وجه التاريخ: لو استطاعت اللمسات أن تنقل الصوت، فلماذا لا تنقله الأسلاك؟

وتحت ضوء الشموع، وبين الأسلاك والنحاس، حمل هذا الشغف ثمارَه. بعد ليالٍ من العمل المتواصل، جاء ١٠ مارس ١٨٧٦م

  يومٌ تغير فيه العالم. عندما قال بيل لمساعده توماس واتسون:

“السيد واتسون، تعال هنا — أريد رؤيتك!”

كانت تلك الجملة الأولى التي سُمعت عبر الهاتف، اختراعٌ لم يكن مجرد آلة، بل رسالة حب للبشرية بأسرها. 

ومع أن العالم بدأ يضج بالرنين والكلام عبر خطوط الهاتف، ظل بيل يعود إلى بيته ليعيش اللطف الصامت مع مابيل: يجلس أمامها، يمسك يديها، ويتواصل معها بلغة الإشارة أو قراءة الشفاه. 

وفي ١١ يوليو ١٨٧٧م تزوّجا، وكانت مابيل ليست مجرد زوجة، بل شريكة إلهام، حيث دعمته بكل ما تملك. 

وقد تزوجا وأنجبا أربعة أطفال، منهم ابنتان عاشتا، في حين فقدا ولديهما في سن الطفولة — حقيقة إنسانية عميقة لطالما تذكرها المؤرخون. 

وما بين الاتصالات واللمسات، بين الصمت والكلام، عاش بيل حياته الطويلة، حتى وافته الموت في ٢ أغسطس ١٩٢٢م في بيين بهراغ في جزيرة كيب بريتون، نوفا سكوتيا – كندا، عن عمرٍ يناهز الـ ٧٥ عامًا بعد صراع مع مرض السكري وفقر الدم. 


وفي جنازته أُغلِقت الهواتف في أمريكا وكندا لمدة دقيقة، احترامًا لعالم أعادنا جميعًا لنسمع بعضنا البعض. 

كانت مابيل بجانبه حتى آخر لحظة، ترافقه كما رافقته الحياة، وظلت تذكر العالم بأن الحب يمكن أن يُنقل عبر الصمت قبل أي صوت. 

لم يكن الهاتف مجرد اختراعٍ باردٍ من أسلاكٍ ومعدن — بل سيمفونية حبٍ كتبت على لغة الترددات، ولدت من قلب رجل أحب — ومن امرأة لا تسمع إلا بقلوب الناس… فسمعتهم جميعًا.

تعليقات