بقلم: ناصر بن محمد الحارثي _عمان
لم يكن العالم يومًا رحيمًا بالإنسان كما هو اليوم.
في زمنٍ سحيق، حين كان الجليد يبتلع الأرض ببطء، وحين كانت السماء رمادية لا تعرف الدفء، وقف الإنسان وحيدًا في مواجهة الطبيعة، أعزل إلا من إرادته.
كانت الرياح تعوي كوحوشٍ غير مرئية، ودرجات الحرارة تهبط إلى ما دون الأربعين تحت الصفر.
البرد لم يكن إحساسًا عابرًا، بل عدوًا يزحف إلى العظام، يجمّد الأنفاس قبل أن تصل إلى الرئتين.
في تلك العواصف، كان فتح العينين طويلًا قد يعني فقدان البصر، وتحمد مياه العين وكان الخروج من المأوى مقامرة بالحياة نفسها.
لم يكن الإنسان أقوى المخلوقات، ولا أسرعها، ولا أشرسها.
لم يكن يملك فراءً يدفئه، ولا مخالب تحميه.
كان يختبئ في الكهوف، يضم جسده إلى جسد الآخرين، يقتسم الدفء كما يقتسم الخوف.
أحيانًا تمر أيام كاملة دون خروج، فقط انتظار… وانتظار.
لكن البرد لم يكن الخطر الوحيد.
في الظلام، كانت العيون تلمع.
نمور بأسنان سيفية، دببة عملاقة يتجاوز طولها ثلاثة أمتار، وذئاب هائلة تتحرك في جماعات، تراقب، تنتظر الخطأ.
كان الإنسان فريسة محتملة، في عالم لا يرحم الضعفاء.
أما الطعام، فكان قصة أخرى من الألم.
لا زراعة، لا مخازن، لا ضمان للغد.
كل وجبة تعني الخروج من الكهف، تعني مواجهة الموت.
رجال يحملون أدوات حجرية بدائية، وعظامًا حادة، يخرجون للصيد وهم يعلمون أن أحدهم قد لا يعود.
وحين يعودون، يكون الاحتفال صامتًا… لأن النجاة نفسها كانت نصرًا.
كانت الحياة قصيرة، قاسية، ومفاجئة.
نادراً ما تجاوز الإنسان الثلاثين عامًا.
ويعتقد العلماء أن عدد البشر في بعض فترات العصر الجليدي انخفض إلى بضعة آلاف فقط، متناثرين على كوكب متجمد، على حافة الانقراض.
ومع ذلك… لم ينقرضوا.
أشعلوا النار، فاكتشفوا الدفء.
ارتدوا جلود الحيوانات، فاخترعوا الملابس.
تعاونوا، فصاروا أقوى من مخالب الوحوش.
نقلوا المعرفة من جيل إلى جيل، حتى صار العقل سلاحهم الأعظم.
لم يكن البقاء صدفة.
كان انتصارًا بطيئًا، عنيدًا، صنعه الخوف، وصقله الذكاء.
وحين انحسر الجليد قبل نحو 11,700 سنة، لم يخرج الإنسان من الكهوف كما دخلها.
خرج مختلفًا.
أقوى.
أكثر فهمًا للعالم… ولنفسه.
لقد كان حقًا
أصعب وقت في التاريخ
… لكنه كان أيضًا اللحظة التي وُلد فيها الإنسان الحقيقي.

تعليقات
إرسال تعليق