بقلم: ناصر بن محمد الحارثي_عُمان
رجلٌ نام على طاولة…
فاستيقظ العالم على إمبراطورية جديدة.
بدأت القصة في ولاية ميشيغان الأمريكية، وتحديدًا في مدينة صغيرة تُدعى يبسيلانتي
هناك، عاش شاب اسمه توم موناجان، جرّب أعمالًا كثيرة، متنقّلًا بين الوظائف، بحثًا عن الاستقرار.
انتهى به المطاف في قوات المارينز الأمريكية لثلاث سنوات، لا حبًا في السلاح، بل أملًا في جمع المال لتحقيق حلمه الحقيقي: أن يصبح مهندسًا معماريًا.
عاد توم إلى الحياة المدنية، ودخل مشروعًا مع بعض المستثمرين، لكنه خسر المشروع…
وخسر معه المال والحلم معًا.
لم يستسلم.
عمل ليلًا ونهارًا في توزيع الجرائد يجوب الشوارع بصمت، يجمع ما يكفي بالكاد لحياة كريمة.
وفي أحد الأيام، جاءه أخوه جيمس باقتراح بسيط في شكله، خطير في جوهره:
شراء مطعم بيتزا صغير من رجلٍ مسن.
وهنا بدأ الحلم الصغير.
في ٩ ديسمبر عام ١٩٦٠، لم يكن لدى توم ولا شقيقه سوى ٩٠٠ دولار اقترضوها لشراء مطعم متهالك يُدعى دومينيكس
لم يكن المكان يصلح للحلم.
مطعم صغير، جدرانه باهتة، ورائحة العجين العالقة في الهواء لا تخفي ثقل الديون ولا صرير التعب.
في إحدى زواياه، كان توم يحدّق في السقف…
لا لأنه يحلم، بل لأنه لا يملك سريرًا ينام عليه
لم يكن استثمارًا، بل مقامرة مع الإرهاق
الأيام طويلة، الطلبات قليلة، والديون تتكاثر بصمت… كالعفن.
ثمانية أشهر فقط… ثم انكسر أحدهما.
قال جيمس: «لا أستطيع».
كان لديه وظيفة حكومية مستقرة في البريد وراتب ثابت لا يعرف المجازفة.
غادر المشهد مقابل سيارة فولكس فاجن قديمة كانت تُستخدم لتوصيل الطلبات.
ترك المطعم
وترك توم وحيدًا في مواجهة مكان لا يرحم.
منذ تلك اللحظة، صار توم كل شيء.
يعجن بيديه، يحاسب بعينين متعبتين، ينظف الأرض، ويقود السيارة في الليل.
كان يعمل أكثر من مئة ساعة أسبوعيًا، بلا شريك، بلا راحة، وبلا ضمان أن الغد سيكون أفضل.
وحين نفد المال…
نفد أيضًا المكان.
لم يعد هناك منزل يعود إليه، فبقي حيث يعمل.
كان ينام فوق الطاولات الخشبية، أو على أرضٍ باردة، يلف جسده المنهك بمعطف، ويغفو ساعاتٍ قليلة، قبل أن ينهض قبل الفجر ليبدأ العجن من جديد.
لو رآه أحدهم في تلك الليالي، لما رأى رجل أعمال.
بل إنسانًا مغطّى بالدقيق، عيناه غائرتان من قلة النوم، وظهره مثقل بالإرهاق…
لكنه، رغم كل شيء، لم يستسلم.
مرت السنوات بطيئة، قاسية.
ثم، في لحظة صامتة لا تصنع ضجيجًا، قرر توم أن يغيّر الاسم.
لم يعد دومينيكس.
صار اسمه دومينوز.
ولم يتوقف عند الاسم.
خاطر بفكرة بدت آنذاك مجنونة:
توصيل البيتزا بسرعة لم يعهدها السوق
كانت مغامرة…
لكنها أصابت الهدف.
بدأت الطلبات تتضاعف.
صار المطعم اثنين، ثم ثلاثة، ثم عشرات.
وذلك الرجل الذي نام يومًا على الطاولة، صار اسمه يتكرر في مدنٍ لم يزرها قط.
مرت الأعوام…
وتحوّل التعب إلى شبكة عالمية.
وتحوّل السهر إلى آلاف الفروع.
وفي عام ١٩٩٨م، وقف توم أخيرًا ليبيع حصته…
بـ مليار دولار.
واليوم، تُقدّر قيمة الشركة بأكثر من ١٣ مليار دولار.
أما الأخ الذي غادر مبكرًا؟
فقد واصل حياته بهدوء، يعمل ساعي بريد، يمر كل يوم بجانب لافتات مضيئة تحمل اسمًا يعرفه جيدًا.
اسم بدأ ذات يوم بمطعم متعب…
واستمر لأن رجلًا واحدًا قرر أن يتحمّل ليلة إضافية من النوم فوق الطاولة.
وهكذا، لم تُصنع هذه الإمبراطورية في قاعات الاجتماعات،
بل على أرضٍ باردة،
وتحت ضوء مطبخ،
وفي صمت رجلٍ لم يكن يملك…
سوى الإصرار.
واليوم،
يعرفه العالم باسم دومينوز بيتزا

تعليقات
إرسال تعليق