ليلي حسيب
في بيتٍ قديمٍ تحرسه النوافذ الخشبية وتنام على عتباته الذكريات، عاشت أختان: سلمى الكبرى، ونورا الصغرى. كانتا كفرعين خرجا من شجرة واحدة، لكن الرياح أخذت كلّ فرعٍ إلى جهة.
سلمى كانت ترى في نفسها عمود البيت، تحفظ النظام، وتزن الخطأ قبل أن يكبر. أما نورا فكانت ترى الحياة نافذة مفتوحة، تضحك كثيرًا، وتغضب سريعًا، وتنسى أسرع.
في أحد الأيام، نشب بينهما خلاف صغير، بدأ بكلمة وانتهى بجدار من الصمت. قالت سلمى بحدّة:
"لو كنتِ تفكرين قليلًا لما وصلنا إلى هذا!"
وردّت نورا بصوت مكسور:
"وأنتِ لو كنتِ تعرفين الرحمة لما شعرتُ بالوحدة وأنا بقربك!"
كبر الخلاف كما تكبر الشقوق في جدار قديم؛ لا تُرى في البداية، ثم تسري في القلب.
مرّت الأيام، ومرضت الأم. صار البيت ثقيلًا، والنوافذ لا تُفتح كثيرًا. كانت كل واحدة تراقب الأخرى من بعيد. خطواتٌ محسوبة، وكلماتٌ موفّرة، ودعاءٌ صامت في الليل.
ذات مساء، حاولت نورا أن تُعدّ للطعام، لكنها لم تُحسن صنعه. جلست تبكي في المطبخ. سمعت سلمى صوت بكائها، فترددت. كبرياؤها كان مثل بابٍ صدئٍ لا يُفتح بسهولة، لكنها فتحته هذه المرة.
دخلت وقالت بهدوء لم تعرفه نورا منذ زمن:
"دعيني أساعدك… كنا نفعل هذا معًا دائمًا."
رفعت نورا رأسها، ورأت في عين أختها شيئًا لم تره منذ الخلاف: الخوف من الفقد.
وفي تلك الليلة، جلستا قرب سرير الأم، تتناوبان على الدعاء، وتتشاركان الصمت. لم تعتذرا صراحة، لكنّ القلوب حين تصدق، لا تحتاج إلى كلمات.
مرت الأزمة، وشُفيت الأم، وبقي الدرس ساكنًا في القلبين:
أن الأخت ليست مَن تشبهك، بل مَن يُمسك يدك حين تنكسرين.
الأخوة ليست اتفاقًا دائمًا، بل رحمةٌ تُمارس وقت الاختلاف، وقلبٌ يتّسع حين تضيق الدنيا.

تعليقات
إرسال تعليق