في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم المسؤوليات، يظلّ الفراغ واحدة من أخطر المشكلات الخفية التي تواجه الإنسان المعاصر. قد يبدو الفراغ في ظاهره راحةً مستحقة، لكنه في جوهره قد يتحوّل إلى مساحة خصبة للقلق، والتيه، وفقدان المعنى.
الفراغ ليس فقط غياب العمل أو النشاط، بل هو ذلك الشعور العميق بانعدام الهدف، حين تمرّ الساعات بلا قيمة، وتتعاقب الأيام دون أثر. كثيرون يعيشون حياة ممتلئة بالمظاهر، بينما أرواحهم فارغة من المعنى، فيمضون وقتهم بين الشاشات، ووسائل التواصل، والضجيج المفتعل، في محاولة للهروب من مواجهة ذواتهم.
ويرى علماء النفس أن الفراغ الطويل قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب، والتوتر، وتبلّد المشاعر، خاصة عند الشباب الذين لم يجدوا بعد مساراً واضحاً لحياتهم. فالإنسان بطبيعته خُلق ليكون فاعلاً لا متفرجاً، وليشعر أنه جزء من حركة الحياة لا هامش على أطرافها.
ولا يتوقف خطر الفراغ عند الجانب النفسي فقط، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي؛ إذ تتحول الطاقات المعطلة إلى مشاعر سلبية، وقد تنزلق إلى سلوكيات مدمّرة كالإدمان والعنف والانطواء. وهنا يصبح الفراغ أرضاً خصبة لكل ما يهدد توازن الفرد واستقرار المجتمع.
ومع ذلك، فإن الفراغ ليس دائماً عدواً. فهناك فرق بين "الفراغ القاتل" و"الخلوة الواعية". الأول يسلب الإنسان طاقته، أما الثاني فيمنحه فرصة للتأمل، وإعادة ترتيب أفكاره، واكتشاف قدراته. فالهدوء حين يكون مقصوداً، يصبح مصدراً للإبداع لا سبباً للانكسار.
ولعلّ الحل يبدأ من إدراك قيمة الوقت، وصناعة هدف ولو بسيط، فكل خطوة نحو الإنجاز تملأ جزءاً من ذلك الفراغ الداخلي. العمل، القراءة، التطوّع، ممارسة الهوايات، وبناء العلاقات الإنسانية الحقيقية… كلها وسائل تعيد للحياة معناها، وتجعل الإنسان أكثر اتصالاً بذاته وبالعالم من حوله.

تعليقات
إرسال تعليق