​جلعاد شاليط.. حين تزلزل "خيبة أمل" أركان التاريخ

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي _عمان

في زاوية منسية من مدينة إسرائيلية، وقف شاب يدعى جلعاد شاليط وحيداً، يلملم شتات قلبه المكسور. لم يكن في تلك اللحظة يفكر في خرائط الشرق الأوسط، ولا في صراعات الدول؛ كان جلّ همه هو غياب تلك "العشيقة" التي رحلت وتركت في صدره فجوة من الحزن والاكتئاب.

​يقولون إن رفرفة جناح فراشة في الصين قد تسبب إعصاراً في أمريكا، لكن في قصة جلعاد، كانت "رفرفة الحزن" في قلبه هي التي حركت رياح التغيير العاتية.

​هرباً من ذكرياته المؤلمة ومحاولةً لنسيان خيبته العاطفية، قرر جلعاد البحث عن مخرج، فاختار الطريق الأصعب: الخدمة العسكرية في وحدة مدرعات حدودية. كان يظن أنه يهرب من قلبه، لكنه في الحقيقة كان يركض نحو موعد مع التاريخ.

​في يونيو ٢٠٠٦، وعلى حدود غزة المثقلة بالبارود، وقع الشاب أسيراً في قبضة حركة حماس. ومن هنا، بدأت الفراشة تحرك جناحيها بقوة أكبر. سنوات من الاحتجاز انتهت بصفقة كبرى عام ٢٠١١، صُفدت فيها الأغلال عن يدي رجل يدعى "يحيى السنوار".

​خرج السنوار من زنزانته ليصعد درجات القيادة بسرعة البرق، محولاً غزة إلى قلعة حصينة. مرت السنون، وفي صبيحة السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، انفجر الإعصار الذي بدأ يوماً ما بـ "دمعة فراق" من شاب مكتئب.

​عملية "طوفان الأقصى" لم تهز أمن إسرائيل فحسب، بل أشعلت سلسلة من الحرائق لم تخمد. حشدت إسرائيل جيوشها، فاستُهدفت غزة بدمار شامل، وامتدت ألسنة اللهب لتطال رؤوس قادة حزب الله في لبنان، وخلخلت أركان النظام السوري، وجرت إيران إلى مواجهة مكلفة خسرت فيها قادتها ومفاعلاتها.

​تبدلت التحالفات الدولية، وسقطت عروش، وصعدت أخرى، وانتهت الرحلة باستشهاد السنوار في قلب المعركة.. كل هذا المشهد الملحمي، بكل دمه ودماره وتحولاته الجيوسياسية، خيطت أولى غرزه في تلك اللحظة التي قرر فيها شاب "مهزوم عاطفياً" أن يرتدي البدلة العسكرية بدلاً من البقاء في غرفته وحيداً.

​هذا هو "تأثير الفراشة" في أبشع وأعمق صوره: تغيير صغير جداً في نقطة البداية، أدى إلى زلزال عالمي لا تزال ارتداداته تهز الأرض من تحت أقدامنا. إنها حساسية التاريخ المفرطة تجاه أدق تفاصيل حياتنا، حيث لا يوجد حدث صغير، وحيث يمكن لخيار شخصي واحد أن يعيد رسم حدود العالم.

تعليقات