محمد الدفراوى
لم يكن أحدٌ يلاحظها.
قطرة ماء صغيرة، عالقة على حافة صنبور قديم في غرفة ضيّقة، جدرانها متشققة كوجوه العجائز، ورائحتها مزيج من رطوبة وعمر متروك للنسيان. كانت القطرة ترتجف، لا من البرد، بل من ثقل الانتظار.
في الغرفة، جلس الرجل على حافة السرير. عيونه غارقة في ظلامها، ويداه ساكنتان كأنهما نُسِيتا هناك منذ زمن. كان صامتًا… صمتًا ثقيلاً، لا يشبه الهدوء، بل يشبه الغرق.
نظر إلى الحائط.
لم يكن يرى الحائط، بل حياته. أعوامًا مكسورة، وجوهًا عبرت ثم أغلقت الأبواب خلفها، وأحلامًا ذابت مثل دخان رخيص.
وفجأة…
سقطت القطرة.
"تِك…"
الصوت كان بسيطًا جدًا… بسيطًا لدرجة مخيفة.
ارتعش قلبه.
قطرة واحدة. لا أكثر. لكنها حين لامست الأرض، كان الصوت كأن أحدًا طرق على باب داخله ظل مغلقًا سنوات. شيء يتحرك. شيء يفتح عينه من سبات طويل.
رفع رأسه ببطء.
أنصت.
"تِك…"
قطرة ثانية.
ثم ثالثة.
بدأ الزمن يتحرك.
نهض الرجل. لم يعرف لماذا. فقط نهض. اقترب من الصنبور. مدّ يده. ترك الماء يسيل. نظر إلى الماء وهو ينحدر بسرعة، كأنه يهرب من شيء.
غسل وجهه.
وفي تلك اللحظة… شعر بشيء دافئ يسري في صدره. لم يكن ماءً. كانت الحياة. كانت روحًا قديمة، مهملة، تفتح عينيها على استحياء.
حدّق في المرآة.
رأى رجلاً متعبًا… نعم.
لكن حيًّا.
عاد الصوت… لكن هذه المرة لم يكن صوت السقوط وحده، بل صوت داخلي يقول:
"لسّا فيه وقت…"
وأدرك أن قطرة ماء صغيرة… فعلت ما لم تستطع سنوات من الصمت أن تفعله.
وأغلقت القطرة فمها… لأنها أدّت رسالتها.

تعليقات
إرسال تعليق