تفاصيل منسية

بقلم:  حسن العكيلي- اعلامي واديب


خمسين عاما مضت على ابتعادي عن المكان الذي ولدت فيه حينها كنت طفلا صغيرا لكن ذاكرتي لازالت كالارض البكر خصبة وقادرة على حفظ كل شي في مجلدات غير قابلة للمسح او النسيان . اسماء الاصدقاء الجيران الالعاب ومكان ارضنا الزراعية الذي ضل يتردد فوق اديمها صوت ابي وامي  واخواني وانواع الحيوانات التي كنا نربيها

اتذكر ان قريتنا كانت بلا ماء صافي ولا كهرباء وبلا شارع مبلط يوصلنا بالمدينة- وحين تغيب الشمس يجثو الظلام على افاقها كعباءة سميكة صنعت من صوف نعجة سوداء فتباغتني خرخشة قصبات مدمن على سجائر اللف من زمن العصملي... فقلما كنت ارى اطفال الجيران يخرجون الى اللعب امام ابواب البيوت الطينية المدرعة بالشوك والصريم ربما لخشية الاهلون علينا من الغرق في النهر المجاور لبيتنا شتاءا او من خروج الافاعي والثعالب من تحت تراب القنطرة التي تثير الفزع في قلوبنا كاطفال 

فجفاف الجدول الذي يغذي الانهار الصغيرة بالماء يجبرنا على حفر الابار لاستخدام ماءه للشرب ولسقي الحيوانات ويباسه يعني الموت ويعني انكفاء قمر الموسم الصيفي وانطفاء بريق الخضرة في الحقول المترامية الاطراف ومحاصرتنا لنصف عام نضطر فيه  اكل مازاد من مؤونة موسم الشتاء  

رغم الفقفر الذي انهك جسد والدي لكني واخوتي لم نشعر بقساوة حر لهيبها ولا بلسع سياطها فقد جاهد كثيرا من اجل ان لايشعر احدا منا بالجوع والعري – 

خمسون عاما مرت سحق فيها قطار العمر بقايا فصول الطفولة والشباب ولم تترك مخالبه الحادة كمخالب الفهود المفترسة مساحة جتى ولو كانت صغيرة من مساحات الوجه الا وتركت فوقه اثار الشيب والتجاعيد والصفرة والذبول 

كيف لايكون كذلك وقد اصبح ذلك الطفل الغض شيخا هرما بعد اجتيازه لجميع موانع حياته الواحدة تلو الاخرى وهو اليوم يراوح في اخر الفصول التي فقدت رونقها كشجرة أكل العث قلبها فتهاوت اوراقها الخضر فوق الارض لتدوسها اقدام الزمن اللاابالية وتحولت الى رماد بعد ان ذاقت نيران التنور التي لاتنطفأ

قبل ولوجي في مسامات الفصل الاخير من حياتي المرتبكة مات والدي الذي ان كان ينعم حينها بالصحة والعافية ومن دون سابق انذار تهاوى كجدار مزقته شظايا القصف الهمجي

 وبالرغم من كثرة الطعنات التي تعرضت لها تماثلت جراحاتي للشفاء واندملت على ما هي عليه فاجبرتني الفرص المتلعثمة اللسان ان اعيش لاختم قراءة ماتبقى من سطور تلك المسرحية الباهتة الطعم  

كم انا مشتاق لرؤية ذلك المكان الذي ولدت فيه ولكن خمسين عاما من الفراق رشت على وجهي رذاذ اليأس وبنت الحواجز امام عيني والاسلاك الشائكة امام طريقي لاشك انها ستدير وجهها عن وجهي وستزعق حتى يبح صوتها و ستعاتبني كثيرا 

اين كنت يارجل كل هذه السنين هل جئت لتبحث عن بيت مهجور صار ملاذا للخفافيش عن اصحاب صغار كعصافير لازال الزغب يغطي اجسادهم ويكسو جلدهم اليافع  .اطفال لم يبلغوا سن العاشرة دفعتهم عاصفة العمر صوب منافي القهر وصاروا تحت رحاها كعصف مأكول . عن ارض مسح الوقت جميع الاثار المطبوعة فوق مداها الواسع.. وغدت ارضا جرداء الا من شوك يابس  وبقايا عاقول 

حين افاجئهم هل يعرف احدا منهم اسمي.. يتذكر شكلي حين الطفولة ويحكي لي احدهم قصة اول يوم دخلنا فيه مدرسة القرية لاشك ان الذاكرة المعطوبة ماعادت تعمل بشكل ايجابي بعد ان اصابها الشلل نتيجة هجمات الفايروسات المقصودة وغير المقصودة 

فكلانا اصبح كالماكنة العاطلة لن يجدي معها تصليح.. مشحوف ميساني الاصل تركه الاهل على حافة هور غادره الماء منذ عقود انهار ظهره المقوس انهيار بيت بني من الرمل ليتحول الى كومة من القش تذروها الرياح فوق متون الذكرى المسحوقة 

فلا فائدة ترجى من ذلك المكان الجرح الذي كلما سرت فوقه نز بالدم القاني مكان لم يعد موجود على الخارطة بعد ان مسحت اثاره رياح التغيير لكنه سيبقى محفور في الذاكرة كقبر شخص عزيز علي كلما زرته جددت حبل المودة معه .

تعليقات