بقلم: ناصر بن محمد الحارثي _عُمان مسقط
حذاؤك الرياضي الذي ترتديه اليوم لم يبدأ كمشروع تجاري فحسب، بل وُلد من رحم صراع عائلي وكراهية أبدية.
بدأت القصة في عشرينيات القرن العشرين، داخل غرفة غسيل صغيرة متواضعة في بلدة "هيرتسوغن آوراخ" الألمانية. هناك، وضع الأخوان أدولف (أدي) وداسلر ورودولف (رودي) داسلر حجر الأساس لحلمهما الصغير. كان "أدي" هو الحرفي الهادئ المبتكر الذي يصنع الأحذية، بينما كان "رودي" هو الشخصية الاجتماعية والمسوق البارع.
وبعدَ سنوات طوال من الجهد والوقت والتفاني في العمل.
وصل نجاح الأخوين إلى ذروته في عام 1936، خلال أولمبياد برلين. في تلك اللحظة التاريخية، نجح "أدي" في إقناع العداء الأمريكي الأسطوري "جيسي أوينز" بارتداء أحذيتهما المبتكرة، ليفوز أوينز بـ 4 ميداليات ذهبية أمام أنظار العالم، وتصبح أحذية داسلر هي الأشهر عالمياً.
لكن الحرب العالمية الثانية حينما ألقت بظلالها لم تدمر المباني والمدن فحسب، بل دمرت رابطة الدم.
نمت الشكوك والغيرة بين الأخوين، واعتقد كل منهما أن الآخر يشي به للسلطات للذهاب لجبهة القتال، أو لأسباب سياسة.
هذه العوامل جعلت "رودولف" يغادر المصنع في عام 1948 وهو يصرخ: "سأؤسس شركتي الخاصة"، وبالفعل عبر النهر وأسس "بوما"، لتبدأ الحرب التي لم تنتهِ.
أسس أدولف شركة أديداس (Adidas) (مستلهماً الاسم من كنيته "أدي" واسم عائلته "داسلر").
أسس رودولف شركة ريداش التي سرعان ما تحولت إلى بوما (Puma).
انقسمت البلدة إلى معسكرين يفصلهما نهر "أوراخ". صار لكل شركة عمالها، وحاناتها، ومخابزها. ولقبت البلدة بـ "مدينة الرقاب المنحنية" لأن السكان كانوا ينظرون إلى أحذية الغرباء قبل إلقاء التحية؛ فإذا كنت ترتدي "أديداس" فأنت عدو لموظفي "بوما"، والعكس صحيح.
استمرت المعركة لعقود في الملاعب العالمية.. بيليه، مارادونا، محمد علي كلاي؛ كلهم كانوا جنوداً غير مباشرين في حرب الأخوين، حيث كانت كل ركلة وكل ميدالية تعني انتصاراً لأخ على حساب الآخر.
استمرت المنافسة الشرسة لعقود، حتى في اللحظات الأخيرة من حياتهما.
في 27 أكتوبر 1974، توفي رودولف داسلر عن عمر يناهز 76 عاماً، ورحل وهو يحمل في قلبه مرارة الخصام
وبعده بأربع سنوات، وتحديداً في 6 سبتمبر 1978، لحق به شقيقه أدولف داسلر عن عمر يناهز 77 عاماً.
حتى في الموت، لم تنتهِ القصة. دُفن الأخوان في نفس المقبرة بالبلدة، ولكن بناءً على وصاياهما ورغبات عائلتيهما، وُضع قبراهما في أبعد نقطتين ممكنتين داخل المقبرة، ليفصل بينهما صمت القبور كما فصلت بينهما الكراهية في الحياة.
تلك كانت قصة الأخوين داسلر، اللذين غيرا وجه الرياضة في العالم، لكنهما خسرا أغلى ما يملكان: الأخوة.

تعليقات
إرسال تعليق