بقلم :ناصر بن محمد الحارثي _ سلطنة عُمان_ مسقط
كانت تلك الأيام، وشماً من السعادة الغامرة على جبين الزمن. عشناها في رغدٍ وراحةِ بالٍ وطمأنينة، كأننا غصنٌ مورقٌ لا يخشى ذبولاً. كيف لي أن أنسى تلك اللحظات الباذخة بجمالها، حيث كان ثمن علبة المشروب الغازي لا يتجاوز المائة بيسة البسيطة، ولتر الوقود يراوح المئة وعشرين بيسة، يا لَلسخاء!
أذكر والديّ، وكيف كان يملأ عربة التسوق بـ ثلاثين ريالاً فحسب، كنزٌ كان يكفينا شهراً كاملاً من الاحتياجات، فياله من زمنٍ كان المال فيه مباركاً. كنا نجتمع حول مائدة واحدة كأنها محور الكون، ونسهر حول شاشة التلفاز، قلوبنا متماسكة كعقدٍ لا ينفرط. لقد غشينا الوهم، وظننا أن الحياة ستبقى وديعة، وأن مقعدنا بين الثريا والنجوم محجوزٌ لا يُزاح.
لكن المعادلة انقلبت، وتبدلت الحال كأنما أصابها مسٌ من سوء الطالع. اليوم، لم تعد تلك الثلاثون ريالاً تكفي ثمن قوت يومٍ واحدٍ تفتقر إليه معدتنا. الرواتب تتآكل تحت وطأة الأعباء، والوقود الذي كان ناصعاً أصبح غالياً ومغشوشاً، كأنه يشاركنا مرارة الغدر.
أصبحنا لا نأمل في طعامنا غداً إلا برحمة من السماء، بينما نرى غيرنا يتلمس الطرق لبيع قوته وقوت عياله، في زمنٍ سحقه القسوة. يخرج النفط والغاز من جوف أرضنا بكميات هائلة، لكنه كالغيث الذي يهطل في الفلاة؛ إنه للبلد وللأجنبي، وللاستثمار البعيد، وليس للمواطن الذي أنهكه الفقر!
لقد اخترقت التكنولوجيا الضالة عتبات بيوتنا، كأنها قذيفة فرَّقت ما كان متماسكاً، وهدَّمت حصن العائلة المنيع. امتلأت المحاكم بالشكاوى والدعوات، بين الأهل والجيران، على أتفه الأسباب، وكأن القلوب فقدت قدرتها على الصفح.
صدق من قال: كنا في زمن الطيبين. اليوم، سقطنا من سماء النجوم لنعيش تحت التراب في "الثري" المزعوم، وسط تسريح للمواطنين وانعدام للوظائف. أصبح الأجنبي يعيش حياة مترفة أكثر من ابن البلد، وكأنه صاحب الدار الذي مدَّ يد العون لمن كان بالأمس تحت كفالته، بل قد يكون مديوناً له وتحت رحمته!
يا له من زمنٍ قاسٍ، يطوي في صفحته ذكرياتنا الجميلة، ويسحق معه زمن الطيبين. نبوءة الوحدة قد تحققت، ولم يبقَ سوى أثر الشجن الذي لا يمحوه الزمن.

تعليقات
إرسال تعليق