بقلم: ناصر بن محمد الحارثي_عمان
قراءة علمية وإنسانية في أحد أخطر أشكال الإدمان المعاصر
لم يكن يعلم، وهو يحدّق في الشاشة للمرة الأولى، أن ما يراه لن يبقى حبيس اللحظة.
لم يشعر بالخطر، لم تُطلق صفارات إنذار، ولم يظهر ضرر فوري.
كانت مجرد ثوانٍ… لكنها كانت كافية ليبدأ الدماغ في تسجيل شيء لن ينساه بسهولة.
في أعماق الدماغ، بعيدًا عن الوعي، استيقظ نظام قديم جدًا يُعرف باسم نظام المكافأة
هناك، في منطقة صغيرة تُدعى النواة المتكئة (Nucleus Accumbens)**، بدأ تدفق كيميائي صامت: الدوبامين.
لم يكن هذا التدفق طبيعيًا.
تشير أبحاث علم الأعصاب الحديثة إلى أن المحتوى الإباحي يُصنّف كـ محفز فائق (Supernormal Stimulus) أي منبه يفوق ما صُمم الدماغ البشري للتعامل معه في الطبيعة.
صورة واحدة قد تطلق من الدوبامين ما لا تطلقه تجارب الحياة اليومية مجتمعة.
في البداية، يشعر الإنسان باندفاع غامض، بشيء يشبه السيطرة.
لكن الدماغ — كعادته — لا يحب الفوضى.
حين يبدأ الدماغ في التكيّف
مع التكرار، يبدأ ما يسميه العلماء بالتكيف العصبي (Neural Adaptation).
الدماغ، دفاعًا عن نفسه، يقلّل حساسيته للدوبامين.
النتيجة؟
ما كان يثير بالأمس… لم يعد يكفي اليوم.
وهكذا تبدأ الحلقة الصامتة:
بحث عن محتوى أقوى
إثارة أسرع
جرعات أعلى
ليس لأن الرغبة زادت، بل لأن الدماغ أصبح أقل استجابة
تشرح دراسات تصوير الدماغ أن هذا النمط قد يرتبط بتغيرات في مناطق مسؤولة عن **اتخاذ القرار وضبط الاندفاع**، وعلى رأسها القشرة الجبهية الأمامية.
وهنا يفهم الإنسان لماذا يفعل ما يكرهه، ولماذا تضعف الإرادة رغم وضوح الضرر.
فراغ بلا متعة
مع الوقت، لا يسرق هذا السلوك الطاقة فقط… بل يسرق الاستمتاع بالحياة نفسها.
أشياء كانت تبعث الفرح — الطعام، العلاقات، الإنجاز — تصبح باهتة.
يسمّي العلماء هذه الحالة: **فقدان الاستمتاع (Anhedonia)**.
ليس لأن الحياة فقدت جمالها،
بل لأن الدماغ تعلّم أن لا يبتسم إلا تحت الصدمات الكيميائية العالية.
لكن… القصة لا تنتهي هنا
العلم، للمرة الأولى، يقدّم نافذة أمل حقيقية.
الدماغ يمتلك خاصية مذهلة تُعرف باسم اللدونة العصبية (Neuroplasticity) —
أي قدرته على إعادة بناء نفسه.
عند التوقف، عند كسر الحلقة، يبدأ الدماغ ببطء في استعادة توازنه.
تنخفض عتبة الإثارة، تعود المتعة الطبيعية، ويستعيد الإنسان علاقته الهادئة بنفسه وبالعالم.
حين يلتقي العلم بالحكمة
قبل أن يتحدث العلم عن الدوبامين، وضع الإسلام سياجًا وقائيًا بالغ الدقة.
لم يُخاطب النتيجة فقط، بل البداية.
قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}
(النور: 30)
غضّ البصر ليس قيدًا أخلاقيًا فحسب،
بل وقاية عصبية تحفظ صفاء الدماغ من فيض لا يحتمله.
وحين حذّر القرآن من اتباع الخطوات كان يصف بدقة ما يسميه العلم اليوم بـ حلقة الإدما:
{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}
(النور: 21)
النظرة… ثم الاعتياد… ثم التغير.
وفي حديث النبي ﷺ: "فالعينان زناهما النظر"
(رواه مسلم)
تنبيه مبكر إلى أن الحواس لا تنسى،
وأن ما يُزرع فيها… يُحصد في القلب والعقل.
الخلاصة
إدمان الإباحية ليس ضعفًا أخلاقيًا فقط،
ولا فشلاً في الإرادة،
بل خللًا فسيولوجيًا قابلًا للفهم… والعلاج
وحين يفهم الإنسان ما يحدث داخل دماغه،
يتحوّل الصراع من جلد الذات
إلى رحلة وعي واستعادة

تعليقات
إرسال تعليق