ليلى حسيب
كان يمشي كلَّ مساءٍ نحو التلة العالية، كأن الليل موعدٌ بينه وبين سرٍّ لا يبوح به لأحد. لم يكن يرى في الظلام خوفًا، بل كان يرى فيه مرآةً تعيد تشكيل العالم، كأن النهار كذبةٌ كبيرة يختبئ خلفها البشر.
كلما حلّ المساء، شعر بأن قلبه ينفتح كما تنفتح زهرةٌ لا يراها أحد، وتبدأ في روحًا لا تُفهم إلا في السكون. كان يقول في نفسه:
"الليل ليس ظلامًا، الليل كشف… من لا يرى في الظلمة شيئًا فهو لم يتعلم النظر بعد."
جلس تلك الليلة على صخرةٍ باردة، والريح تمرُّ عليه كأنها تسأله عن سر تعلقه بالظلام. ابتسم وقال:
"أعشق الليل لأنه صادق… لا يجمّل نفسه، ولا يتصنع، ولا يفرض عليّ أن أبدو كما يريد الآخرون. إنما يتركني كما أنا، خامًا، هشًّا، أو قويًا… المهم أنه يرى حقيقتي."
أغمض عينيه فسمع أصواتًا خافتة؛ ليست أصوات الريح، بل أصوات الأفكار التي يهرب منها الناس حين يضيئون المصابيح. كان يعرف أن الليل لا يخلق الأفكار… بل يرفع عنها غبار الضجيج.
"الإنسان لا يخاف من الليل، يخاف من ذاته حين يُكشف عنها الغطاء."
وفجأة، لمح ضوء القمر ينساب فوق كتلة السحاب، كأن السماء تحاول أن تقول شيئًا دون أن تتكلم. أدرك أن الليل ليس صديقًا فقط… بل معلّمًا.
يعلمه كيف يرى جوهر الأشياء، لا صورها.
كيف يسمع الحديث الصامت، لا الكلام.
وكيف يميز بين نورٍ يخدع ونورٍ يكشف.
وقبل أن يغادر، قال لنفسه:
"في النهار أعيش كما يريد العالم… وفي الليل أعود كما يريد قلبي. لذلك أعشق الليل: لأنه يعيدني إليّ."
نزل من التلة بهدوء، تاركًا ظله يمشي خلفه، لكنه يعلم أن روحه بقيت هناك… معلّقةً في ظلامٍ أحبّه، وتعلمت فيه كيف تبصر.

تعليقات
إرسال تعليق