غدر الايام

 بقلم : حسن العكيلي- اعلامي واديب


نعم أنا اعرفه مثلما أعرف نفسي لكونه جاري وتمتد علاقتي به لاربعين عاما مضت - كانت طفولته فوضوية وعبثية وكثير المشاكل مع اقرانه في المدرسة والمحلة التي يسكن فيها فأولى مراحل كبوات الفشل هي طرده من المدرسة بسبب كثرة غياباته ورسوبه المتكرر. وخرج منها اميا دون أن يفرق بين الحاء والخاء والدال والذال..

والده كان يعمل سائقا في البلدية ورغم صغر سنه طلب منه والده ان يعمل معه في فتح انسدادات المجاري مقابل حصوله على الاكراميات التي يدفعها له اصحاب المحلات والمطاعم وبعض اصحاب الدور السكنية.. 

فقد تعلم المهنة سريعا من دون ان تقف روائح المجاري حجر عثرة في طريقه كطفل . وفي نفس الوقت كان حريص على الحفاض على كل دينار يحصل عليه 

لاشك ان المسافة بين الطفولة والشباب معبدة بالاجر الملتهب بالجمر ومرصوفة بالحجر المتكلس من زمن الطوفان الاول واوراق مبعثرة بقدر السنين التي احترقت وتبعثرت سطورها فوق ارصفة المرحلة المغلفة بالارق والقلق والضياع ..

كيف لاتكون حياة ذلك الطفل ماساوية وهو لم يتذوق يوما او بضع يوم رشفة من كؤوس محطات البراءة واللعب مع اقرانه . والضحك البريء كانت حياته اشبه بكرة القدم يراها فارغة من كل شي الا من الهواء

عندما دخل مرحلة الشباب من اوسع ابوابها كان يعلم بكل تفاصيلها الدقيقة ومكامنها المحشوة بالقسوة وافاقها المنفتحة على عوالم تدرعت بكل ماهو قاس وصلد لان ذلك الطفل تخطى تلك المسافة بقفزة تشبه قفزات الكنغر فحمل على ظهره هموم عشرين عام حتى تاكسدت اطراف ارجوحته بفعل الرطوبة والحرارة وعوامل بيئية اخرى فانهارت على الارض مغشيا عليها لانخفاض الضغط لتكمل مسيرتها ولكن على ثلاث ارجل 

حاول والده ان يقنعه بالزواج مرارا لكنه كان يرفض ذلك المشروع الذي اعتبره محبطا للامال ومثبطا لحركته نحو الامام.. وبعد زواج جميع اخوته كرر والده المحاولة مرة اخرى فوافق اخيرا..

عندما تزوج من شقيقة زوجة اخيه رزقه الله بالاولاد والبنات الامر الذي دعاه الى ان يعمل ليلا ونهارا حتى يوفر لعائلته الراحة والهدوء

ذات يوم مختلف عن الايام تغيرت تصرفات ذلك الشاب اتجاه زوجته التي تغير شكلها بسبب الاطفال والعمل المضني داخل البيت والمرض الذي داهمها على حين غرة 

كانت تعتقد ان سبب ارتفاع درجة حرارة جسمها بسبب عارض ما وسيزول تدريجيا مع قادم الايام . ولكن بقاء الوضع على حاله دفعها الى ان تبلغ زوجها بضرورة الذهاب الى الطبيب لمعاينتها ومعرفة اسباب علتها  

وبعد اجرائها عدد من الفحوصات المتقدمة جلست امام الطبيب بوجهها الاصفر الذابل وحبل الكأبة يلتف حول رقبتها كأفعى تطبق على انفاسها وابلغها بعد انتظار وتردد بوجود مرض خبيث في ثديها الايمن ولابد من معالجته قبل ان ينتشر في الاخر 

بعد ان سمع الزوج بملأ اذنيه نتيجة فحص زوجته تظاهر بالحزن الشديد امامها - وراح يطمئنها بان الله هو الشافي والمعافي وطلب منها المزيد من الصبر  

كان من المفروض ان يكون الزوج اكثر قربا من زوجته ويقف معها في محنتها وهو يرى وردته تذبل امام عينيه وهو يرى شعر راسها يتساقط بكثافة ويتحول جسدها الى هيكل عظمي لقد تركها كأي حاجة مهملة مبتعدا عنها بعد ان سمع من بعض الجهلة ان السرطان مرض معدي

 ثم راح يطلب علنا من والديه الزواج من امراة اخرى لتحل محل زوجته المريضة بل راح يتمنى موتها سريعا لانها كانت السبب في تنغيص حياته واستبدلت اجواء حياته الهادئة باجواء مغبرة تثير على الدوام التراب والايذاءات والارق..

سمعت زوجته بملأ اذنيها دعوات زوجها عليها ومطالباته بالزواج باخرى والتشفي بها امام الاخرين ذات يوم بائس مكفهر نادته بصوت خافت يكاد لايسمع واقسمت عليه بكل الايمان وبعدد حروف القران وترجته ان يؤجل موضوع الزواج حاليا الا بعد موتها لكون ذلك يؤلمها وينخر العظام التي تركها المرض الخبيث غفلة – بل من اجل اطفالها الذين يموتون قهرا على الحال الذي وصلت اليه امهم وعلى مايريده ذلك الاب عديم الوفاء والناكر للجميل 

وبالرغم من مرضها لم تترك الزوجة صلاتها ودعواتها وتسبيحاتها 

وكانت مواضبة على استعمال العلاج وحسب اوامر الطبيب

وبينما كانت تنظر الى صور اطفالها المعلقة على الحائط استجمعت بقايا قوتها وحاولت ان تجرب الوقوف فوقفت ثم تحركت خطوات وكانت موفقة في ذلك شاهدها ابنائها وهي تمشي تسابقوا لاحتضانها وفرحوا كثيرا بها وعندما عاد زوجها من العمل تفاجئ بزوجته وهي تقف هنئها بعودة دبيب الحياة الى جسدها من جديد وراح يشارك اطفاله الضحك ولكن بضحكات صفراء لاطعم لها 

ماهي إلا أيام وعادت تلك الشابة التي ظلت تنازع الموت باسنانها الى سابق عهدها متوجة بتاج الصحة والعافية لكن الامر المؤسف ان شفاء الزوجة كان بمثابة صاعقة شلت اطراف الزوج وبددت احلامه الخبيثة متناسيا أن الله جل وعلا قادر على تغيير ما لا يتغير .... مرت الايام سريعة كناعور استسلم للريح العاتية فراحت تدور بشكل جنوني تناثرت على حافة الدروب الساعات والايام والشهور تناثر اوراق الشجر في فصل الخريف 

وفي احدى تلك المساءات عاد الزوج من عمله الشاق منهك القوى على غير عادته متجها صوب القاصة الحديدية التي امتلات الى سقفها بالدنانير ليضع فيها ماحصل عليه من مقاولته الاخيرة .. اعتقد ان التعب سيزول حالما يستحم بالماء الدافئ ولكن الماء والنوم لساعات طويلة لم يجدي نفعا 

عند استيقاضه صباحا احس ان جميع اعضاء جسده تؤلمه الما شديدا فقرر البقاء في فراشه ليرتاح فراحت سكاكين المرض تنهش بجسده الضعيف امام انصالها الحادة فامتنع عن الاكل ليومين وعلى اثر ذلك نقلوه اخوته الى احد الاطباء الاختصاص لاجراء الفحوصات له فتبين انه مصاب بسرطان الرئة 

قبل ايام عاودته في داره لاطمئن على صحته فوجدته ممددا في فراشه عاجزا عن تحريك راسه ينظر الى الوجوه بعينين اخذت على عاتقها الكلام والنظر واخذت انا دور السائل والمجيب  

  دعوت الله ان يشفيه من علته وان يسامحه عن اخطاءه الجسيمة بحق زوجته فكل بني ادم خطاء وخير الخطائين التوابون

تعليقات