هل أنتِ معي

بقلم:  حسن العكيلي _  إعلامي وأديب


هل أنتِ معي؟ قلبان اتحدا في لحظة إدراك ووعي، فعلامَ تتركين يدي وتكسرين الغصن الندي، لتبدو السهول الممرعة النبت سباخًا.
لو كنتِ معي لسَهرتِ الليل تُدارين بريق مرايا الربيع مداراة أمٍّ لطفلها الرضيع، تسقيهِ لبن الحياة، وتبنين له عشًا فوق الغصون العاليات.
هل أنتِ معي؟ قلبان انصهرا في جسد واحد، تمنحين طيفي بياض الجهات ورؤاي الأمل الواعد.
أتمنى أن تهبي قلبي باقة ورد لا تذبل، وتمنحي صبحي بياض الثلج، ومسلئي الضوء الأجمل. كوني معي في كل الأحوال، قصيدةُ شعرٍ تحمل وجع الطين وعطر قميص الموال، لا تقطعي حبل المودة.
ازرعي في عمق الجهات وردة، وأربتي فوق متون النهر المتحصن بالصبر، واشددي من أزره مخافة أن يلبس ثوب الأفول. كوني كالبحر معي؛ هل سمعتِ يومًا أن البحر تناسى ضفافه، أو كشَّر عن أنياب حاقدةٍ في وجه السفن المبحرة وتجاوز أعرافه؟
إن كنتِ معي، قلبان اتحدا في شريان واحد، اقتربي مني كثيرًا، لا تدعي الظلمة تبني أسوارًا عالية من حجر البعد، تحجب عن عيني وجهًا حين أراه تزول جميع هموم الحياة.
إذا كنتِ معي ويطابق رأيكِ رأيي، فأعطيني دليلًا أنكِ صنوي، وأنكِ ظلي، نتنفس من رئة واحدة، نتغذى من جذر امتد عميقًا بين مسامات الأرض ليصنع من ترب الطين النابض بالحب غذاءً يمنح قلبي دبيب الحياة.
كيف تكونين ظلي وأنتِ اخترتِ مسارًا آخر لا يشبه دربي، طريقًا يسحب أقدامك صوب المنافي والتيهان؟
إصرارك ردمُ مجاري الأنهُر وحرق الأرض الفاصلة بيني وبينك، يعني أنك صرتِ دخانًا يعمي العيون، ضبابًا يحيل الأفق ظلامًا. فكيف أراكِ ملهمتي وقد صار نهاري مقصلة تُذبح فيها الأحلام، ويغدو الأمل المتورد خيط سرابٍ حاكته رمال الأوهام؟
منذ سنين مرت وأنا مشغول بكتابة آخر سطر من قصة حبي لكِ، تلك الملحمة الحبلى بالوجع المر، والإسقاطات المحفوفة بالخطر وضياع الوقت المتبخر فوق غصون الشجر المتعطش للماء.
لكن ضياعكِ بين الفيافي شتّت أفكاري، وصار السطر الأخير معضلتي وجوابي الأصعب. حاولي أن تمنحي روحكِ وقتًا لبناء جسور المودة وترميم بقايا الذات. لن تهدأ روحي حتى أراكِ تُزيلين التراب الجاثم فوق خرائط طرق البحر، وبوصلة تحديد المسارات.
حاولي أن تصدقي معي، ولا تعطي للأفق الخداع أذنًا صاغية؛ فالغربة وحش يطربه سماع أنين الموجوعين، يتسلى بحساب ورق العمر الضائع بين تجاويف الأيام.
احزمي أمركِ قبل فوات الأوان؛ فالغربة بحر عميق، فوهة بركان، غابة نخل موحشة تتمنى سماع وقع خطوات الإنسان. خسرنا كثيرًا، فالعمر المتبقي أوشال سنين باهتة الطعم، تعوي الذئاب فوق قفاه الهزيل الكسيح.
ما ضاعت فصول غالية جدًا، وخسارتنا باهظة الثمن.
فبعودتكِ يمكن تعويض الأيام الضائعة المفقودة، وبث الروح في قلب الأحلام الغالية المنشودة
.

تعليقات