بقلم : زينب علي درويش
ينبش الأرض حتى تخدّرت يداه القويتان. الحرير الذي كان يغطي جسده المفتول، لم يعد الآن إلا بقايا من قماش لا يُطاق، وكأنه ذاب بفعل الرماد المُتقد. لكنه ظل يبحث عن جوهر الأرض، يريد أن يطمئن على حالها؛ أما زالت تنبض؟ بينما كانت يداه تحفر بعزم ، كان قلبه وحده يبعث النور.
ومع مرور الوقت، وكأنها ساعة رملية تسرق من عمره وهو يحاول الوصول لمراده، وكأن السماء تسانده؛ فانهالت حبات المطر وطهَّرت كل ما حوله وزالت حُجُبُ الرماد الكثيف.
ظهرت أمامه رقعة القماش "النسيج" التي وهبها له جده الكبير، محتفظة برونقها الذي كان يكسو بها عيوبه الجسدية. اشتدّ ظهره وغرز قدمه كشجرة عملاقة في الأرض، حتى وقف رافعاً رأسه بعيون تلمع من فرط السعادة.
في لحظة سريعة لمحها: صاحبة الملامح البريئة والشعر الممزوج بجمال الليل الخالي من النجوم. تأزّرت بعباءة بيضاء، تحمل باقة ورود بيضاء، تنظر إليه بلوم وعتاب عمّا وقع له. في صمت الإدراك، همس لنفسه: "كانت بصمةً لا تتكرر، ما زالت في أعماق الذاكرة والوجدان."
سألها بهدوء كعادته: "هل جئتِ إليّ الآن فقط، وقد أعدتُ تجميع ما بعثره الرماد؟"
أجابت: "أنت تريدني كجمرة متّقدة دائمًا."
قال: "أنتِ تريدين فوضى الحواس، وأنا لستُ عابر سبيل، أملك الأصل والأرض."
أجابت وهي تنوي الرحيل: "يليق بك دور الأسود المنتصرة دائمًا."
قال: "وأنتِ امرأة تعشقين الرقص في المتاهة."
وحين تلاشى ظلّها بين خيوط المطر، ابتسم للرمل والمطر والهواء، ثم أغلق عينيه كمن يودّع عالمًا ويعانق آخر، وهمس للأرض التي احتوت خطاه: "ما عاد للرماد سلطانٌ على جسدي… فقد صرتُ أنا النار والطريق."
وعاد لإخراج قطعة القماش، وإذ بها عالقة بشدّة، أصابه التوتر الشديد، خاف أن يفقدها إذا أخطأ بطريقة ما في إخراجها. حاول كثيراً حتى أنه بدأ يشعر وكأنه سُجن بجوارها. برغم تخدّر يديه من شدة التعب، تذكّر من أراد شيئاً عليه أن يعيده مهما كلّفه الأمر.
اقترب منها أكثر، أدرك أن الخوف لا يليق بمن حمل الأرض في قلبه كل تلك السنوات. هدأ أنفاسه، ولامسها برفق شيئاً فشيئاً. استجابت له، وانفكّت من أسرها. ثم أغلق عينيه للحظة قصيرة، لينعم بالسكينة التي انتظرها كثيراً.
Zanabali322@gmail.com

تعليقات
إرسال تعليق