يُعد أنور وجدي (11 أكتوبر 1904 - 14 مايو 1955) أسطورة حقيقية في تاريخ السينما المصرية، ليس فقط بكونه "فتى الشاشة" الذي جذب الملايين، بل لأنه كان النجم الشامل؛ ممثلاً بارعاً، ومنتجاً مغامراً، ومخرجاً ناجحاً. لقد ترك أنور وجدي بصمة فنية عميقة، تُوّجت بفيلمه الخالد "غزل البنات"، الذي شكل نهاية قاسية لبداية جديدة.
من الكمبارس إلى النجم الشامل
بدأت حياة محمد أنور وجدي في حي الظاهر بالقاهرة بطموح جامح، متجاوزًا الفقر بالانضمام إلى فرقة رمسيس ليوسف وهبي. سرعان ما انتقل إلى السينما، حيث لفت الأنظار بجماله وأناقته في فيلم "الدفاع" (1935).
لم يكتفِ وجدي بالتمثيل، بل أسس شركته الخاصة "الأفلام المتحدة" في منتصف الأربعينيات، ليصبح سيد قراره الفني والمالي. بهذه الخطوة، تحول إلى صانع نجوم، وكان أبرز اكتشافاته النجمة الصغيرة فيروز التي قدمها في ثلاثية شهيرة ("ياسمين"، "فيروز هانم"، "دهب").
زواج وأفلام: ثنائية أنور وليلى مراد
اشتهرت حياة أنور وجدي بثلاث زيجات، أبرزها زواجه من النجمة ليلى مراد (1945 - 1953)، حيث شكّلا الثنائي الذهبي في السينما المصرية. أنتج وأخرج لها 8 أفلام ناجحة، مزجت بين الرومانسية والغناء والدراما، أبرزها "قلبي دليلي" و"عنبر"، مؤسسين معاً لمرحلة فريدة من الشهرة الفنية المشتركة.
"غزل البنات" (1949): الفيلم الذي جمع الأساطير وشيّع الريحاني
يظل "غزل البنات" تحفة أنور وجدي الفنية والإنتاجية، حيث يُصنف كتاسع أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، وذلك لعدة أسباب تاريخية وفنية:
1. القصة والأدوار:
الفيلم قصة رومانسية كوميدية تدور حول الأستاذ حمام (نجيب الريحاني)، مدرس اللغة العربية الفقير الذي يقع في غرام تلميذته الثرية ليلى (ليلى مراد). يقدم وجدي نفسه في دور وحيد صفوت، ضابط الطيران الأنيق الذي ينافسه على قلب ليلى، ولكنه يضحي في النهاية، ليجسد وجدي هنا صورة "الفتى الأول" الذي يختار الشرف على الحب.
2. تجمّع الكبار (الجوكر الفني):
استطاع أنور وجدي أن يجمع في هذا العمل أسماء لم تتكرر في فيلم واحد:
نجيب الريحاني: في آخر ظهور سينمائي له.
ليلى مراد: في قمة تألقها الغنائي.
يوسف وهبي و محمد عبد الوهاب: ظهرا كضيفي شرف بشخصيتيهما الحقيقية، وقدم عبد الوهاب مشهد "عاشق الروح" الخالد كهدية للأستاذ حمام.
3. اللمسة المأساوية:
شهد الفيلم مفارقة حزينة، حيث توفي نجيب الريحاني قبل الانتهاء من تصوير مشاهده وقبل عرض الفيلم بأيام قليلة. نجح وجدي في التعامل مع هذا الغياب المفاجئ، ليصبح "غزل البنات" بمثابة وداع الأمة لعملاق الكوميديا، وتُربط نجوميته إلى الأبد بهذا العمل الخالد.
النهاية المبكرة لـ "الفتى الأول"
في قمة نجاحه، وبعد أن أصبح أنور وجدي علامة تجارية في السينما، داهمه المرض. بعد صراع مرير مع سرطان المعدة، توفي في السويد عام 1955 عن عمر يناهز 50 عامًا. رغم قصر مسيرته، فإن إنتاجه السينمائي الذي شمل نحو 50 فيلماً كممثل و13 فيلماً كمنتج ومخرج، أكد أن أنور وجدي لم يكن مجرد نجم، بل كان أسطورة الطموح والإدارة الفنية التي قادت عصراً ذهبياً كاملاً.

تعليقات
إرسال تعليق