الفصل الأول: صمت الأرض
كان عام 2142 يُعرف بـ "عام الصمت الكبير". لم يأتِ الدمار من حرب نووية أو وباء، بل من الفراغ الأزرق.
"آدم"، عالم النباتات الجينية في مركز الإيواء العميق بمدينة نيو-القاهرة، كان يحدق في شاشة بيانية تظهر انحناء الضوء. كانت الشمس تشرق كل صباح، لكن ضوءها تحول إلى لون أزرق باهت وبارد، لا يحمل الدفء ولا الطيف اللازم لعملية التمثيل الضوئي.
منذ ستة أشهر، توقفت جميع النباتات على سطح الأرض عن النمو. تحولت الغابات إلى بقايا رمادية، وانهار النظام البيئي في غضون أسابيع. السبب: دخول حقل طاقة مجهول، أُطلق عليه اسم "حاجز كروما"، أغلق وصول الأطياف الحيوية من الشمس.
مذكرة علمية سرية: "حاجز كروما ليس غلافاً، بل تشوه كمّي في الزمكان يحرف الفوتونات الحيوية. المصدر مجهول، لكن القياسات تشير إلى نجم زائف في كوكبة الدجاجة."
كانت مهمة آدم الأخيرة هي تشغيل مشروع "إيكو" (Echo Project)؛ مسبار استكشافي يعمل بتقنية الدفع الأيوني، مُصمم للسفر عبر الحاجز الأزرق بحثاً عن مصدر الإشارة.
الفصل الثاني: خلف الحجاب الأزرق
انطلق المسبار "إيكو-7" في رحلة استغرقت ثلاثة أسابيع. كان آدم يتلقى البيانات بمفرده في غرفة التحكم المظلمة. ثم جاءت الإشارة.
تسجيل صوتي (مترجم): "نظام النجم الزائف 7-A. الإشارات التوليدية ضعيفة. يبدو أن الحاجز هو في الواقع... مزرعة."
انقبض قلب آدم. المزرعة؟
أرسل "إيكو-7" صوراً مذهلة ومرعبة. عبر الحاجز الأزرق، لم تكن هناك كائنات غريبة أو أساطيل حربية. كانت هناك حقول شاسعة من النباتات العملاقة المضيئة بـ اللون الأخضر الزمردي.
هذه النباتات، التي أطلق عليها آدم اسم "مزارع الألفا"، لم تكن تنمو تحت شمس. كانت تمتص الطاقة من حقل الكروما الأزرق نفسه.
ثم اكتشف آدم الحقيقة الصادمة:
حاجز كروما الأزرق الذي يقتل الحياة على الأرض لم يكن موجهاً إلينا. إنه مصيدة طاقة، مصممة لاستنزاف الأطياف الحيوية من شمسنا وتغذية هذه المزارع العملاقة على كوكب آخر، يُسمى "إليريا".
الفصل الثالث: الإشارات المنقذة
كانت إليريا تبعد سنوات ضوئية، لكنها كانت تستخدم شمسنا كمصدر طاقة لها عبر تقنية نقل كمّي فائقة التطور.
شعر آدم بالغضب اليائس، فالبشرية محكوم عليها بالفناء لأن كائناً ما على بعد مجرات يزرع محصولاً. بدأ في إرسال رسائل تشفيرية عشوائية إلى نظام "إيكو" على أمل اختراق نظام إليريا، لكنه فشل.
في لحظة يأس، تذكر آدم دراسته القديمة عن لغات النباتات. كل نبات يصدر ترددات كهرومغناطيسية دقيقة أثناء نموه.
أخذ آدم نبضات الحياة المسجلة لآخر شتلة ذبلت على الأرض، شتلة "الأرز القديم"، وحوّلها إلى نمط تشفير معقد من الذبذبات الصوتية. لم يكن يرسل تهديداً، بل كان يرسل صوت الألم.
أرسل آدم سلسلة من الترددات التي تحاكي صوت موت شجرة الأرز.
الفصل الرابع: الاستجابة
لأسابيع، لم يحدث شيء. استمر الضوء الأزرق البارد يغرق الأرض في الصمت. بدأ مركز الإيواء العميق ينفد من المؤن المصنعة.
وفي أحد الأيام، انفجرت شاشة آدم البيانية بوهج أبيض ناصع.
لم تكن رسالة، بل تغيير في الحقل.
اختفى الحاجز الأزرق تماماً.
تدفق طيف الشمس الذهبي الطبيعي لأول مرة منذ ستة أشهر. لكن هذا لم يكن كل شيء.
جاءت إشارة صوتية واحدة من نظام "إيكو"، كانت هذه المرة واضحة ومترجمة بوضوح:
الرسالة: "نعتذر. لم ندرك أنكم في طور النمو. لقد كنا نعتقد أن الطيف القادم من نجمكم ضائع. تم إيقاف سحب الطاقة بشكل كامل. سنرسل لكم البذور المُحسَّنة."
على ما يبدو، لم يكن "الإليريون" أشراراً، بل كانوا يعتقدون أن الأرض كوكب مهجور وغير مأهول بالحياة البيولوجية. وعندما أرسل آدم صدى موت النبات، فهموا أنهم يستنزفون كوكباً حياً.
بعد أسبوعين، التقطت الأقمار الصناعية جسماً صغيراً يدخل مدار الأرض. لم يكن سلاحاً، بل كبسولة صغيرة تحتوي على أنواع بذور جديدة، مُعدلة جينياً لتمتص الطيف الأزرق والأصفر، وتنمو في أي بيئة.
كان آدم ينظر إلى الضوء الذهبي الحقيقي لأول مرة منذ أشهر. كان يبتسم. لقد أنقذ البشرية ليس بالقوة، بل بـ صوت الحياة التي تموت.

تعليقات
إرسال تعليق