كان جحا يوماً يتمشى في سوق المدينة، عابساً كعادته، لكن ليس من حزن، بل من إجهاد التفكير في الحياة. فجأة، التفت حول رجل يرتدي عمامة ضخمة ويحمل عصا نحيفة مزينة بشرائط باهتة. كان يصرخ بأعلى صوته:
"اشتروا يا سادة! اشتروا عصا الأمنيات! من يمسكها ويتمنى، فستتحقق أمنيته في الحال! واليوم فقط، سعرها درهم واحد لمن يتمنى أمنية بسيطة! درهم واحد!"
تجمهر الناس، البعض يسخر والبعض يتردد. اقترب جحا بخطوات ثقيلة، ونظر إلى الرجل بعينين لامعتين.
فقال جحا للرجل: "يا صاح، إن كنتَ صادقاً، فلماذا تبيع عصا كهذه بدرهم واحد؟ ألا يمكنك أن تتمنى لنفسك ألف دينار وتستريح؟"
تنهد البائع بمكر وقال: "آه يا سيدي، المشكلة ليست في العصا، بل في نفسي القنوعة! أنا لا أريد أن أكون غنياً، طموحي الوحيد هو أن أرى العصا في أيدي أناس يسعدون بها!"
هنا ابتسم جحا ابتسامة واسعة لم يراها أهل المدينة من قبل!
القرار المفاجئ
قال جحا بصوت جهوري: "حسناً! سأشتريها! تفضل درهمك!"
تفاجأ البائع وجيران السوق. تناول جحا العصا، رفعها عالياً، وأغمض عينيه بتمثيل متقن. همس قائلاً:
"أتمنى... أن يركض هذا البائع إلى آخر السوق ثم يعود بسرعة جنونية!"
وفي أقل من لمح البصر، سارع البائع يجري بأقصى سرعة نحو آخر السوق، ثم عاد يلهث، وقد احمر وجهه من الجري والدهشة. توقف أمام جحا وهو يتنفس بصعوبة.
قال البائع وهو يمسح عرقه: "ماذا فعلت؟ ما هذا السحر؟ لقد شعرت أنني مجبر على الركض! إن العصا حقيقية!"
النهاية غير المتوقعة
ابتسم جحا ببرود، وأعاد العصا إلى البائع قائلاً: "تفضل عصاك."
صُدم البائع: "ولكن... لماذا؟ لماذا تعيد العصا وقد رأيت بنفسك قوتها؟ ألا تريد أن تتمنى شيئاً لنفسك؟ الصحة؟ الثروة؟!"
نظر جحا حوله إلى الوجوه المذهولة، وقال ببطء الواثق:
"يا صاحبي، أنتَ كاذب مُحتال تبيع الوهم. ولكنني بذكائي، جعلتُ كذبتك تتحقق لمرة واحدة، لأثبت للحاضرين أن العصا يمكن أن تكون سحرية إذا أراد مستخدمها ذلك! أما أنا... فلا أحتاج عصا تحقق أمنياتي! أمنيتي الوحيدة الآن تحققت، وهي أن أضحك على بائع كاذب وأجعله يتعب قليلاً مقابل درهمي!"
ثم ترك جحا العصا ملقاة على الأرض، ومشى بعيداً وهو يضحك بأعلى صوته، تاركاً البائع في حيرة من أمره، والناس في دهشة من عبقرية "جحا الفيلسوف" الذي لا يشتري الوهم، بل يبيع للمحتالين درساً!

تعليقات
إرسال تعليق