أسطورة مدينة المرايا الصامتة

 

الفصل الأول: المنارة الزائفة

يُحكى أنه في قديم الزمان، وراء صحراء الـ"لا-وقت"، كانت تقبع مدينة تُدعى إيزوريا، مدينة المرايا الصامتة. لم تكن إيزوريا مدينة حجر وطين، بل كانت كيانًا مبنيًا بالكامل من مادة شفافة تُسمى "الصدى"، وكانت كل زاوية فيها عبارة عن مرآة تعكس كل شيء فيها وإلى ما لا نهاية.

كان سكان إيزوريا يعيشون في سعادة ظاهرية، يعشقون صورهم المنعكسة. كل فرد يرى نفسه مكررًا آلاف المرات في كل اتجاه، وكل صورة كانت مثالية كما يتخيلها. كانوا يعتقدون أن هذا التكرار اللامتناهي هو كمال الوجود؛ فإذا رأيت شيئًا جميلاً مرارًا وتكرارًا، فإنه يصبح حقيقة مطلقة.

لم يكن في إيزوريا ليل، بل ضوءٌ واحدٌ لا يتغير، مصدره منارة عملاقة في وسط المدينة، كان الجميع يعتقد أنها مصدر الحقيقة.


الفصل الثاني: همس الكسر

في قلب هذه المدينة المزدحمة بالصور، وُلدت فتاة اسمها أَلِيف. لم تكن أليف كغيرها؛ فقد كانت تتساءل عن الفرق بين الصورة والأصل.

في أحد الأيام، لاحظت أليف أن مرآة صغيرة في زاوية مهجورة تحمل صدعًا يكاد لا يُرى. وعندما نظرت في ذلك الصدع، لم ترَ انعكاسها المثالي، بل رأت فراغًا مظلمًا خلف المرآة، حيث لا يوجد صدى ولا صورة.

أصابتها هذه الرؤية بالاضطراب. هل يمكن أن يكون هناك شيء موجود ولكنه خارج الرؤية؟ تسللت أليف ليلًا (أو ما اعتبرته ليلًا في ضوء المنارة الثابت)، واتجهت نحو المنارة، مصدر "الحقيقة".


 الفصل الثالث: حقيقة الضوء والفراغ

تسلقت أليف المنارة، وعندما وصلت إلى القمة، لم تجد مصباحًا ساطعًا أو بلورة مقدسة، بل وجدت مرآة ضخمة جدًا تعكس ضوء الشمس الوحيد البعيد نحو المدينة. كانت المنارة ليست مصدرًا للضوء، بل مُضخمًا للانعكاس.

في تلك اللحظة، فهمت أليف:

 سكان إيزوريا لم يكونوا يعيشون في الوجود، بل في انعكاس الوجود.

  هم لم يروا أنفسهم الحقيقيين (الأصل)، بل شاهدوا الصور المكررة التي اختاروا تصديقها.

  "الحقيقة المطلقة" التي عبدوها كانت مجرد انعكاس مضخم.

قررت أليف أن تفعل شيئًا لم يجرؤ عليه أحد. أخذت حجرًا صغيرًا ورمته نحو المرآة العملاقة للمنارة.

عندما تحطمت المرآة، لم ينطفئ الضوء، بل انكسر وهم الانعكاس الموحد. تدفق الضوء الحقيقي للشمس، ضوء لا يمكن للمرايا أن تكرره بشكل مثالي، بل كان ضوءًا يلقي الظلال.

الرسالة الفلسفية: الخروج من الكهف

غُمرت المدينة بالظلال لأول مرة. صُدم السكان. رأوا فجأة أن صورهم لم تعد مثالية، بل كانت مشوهة في الضوء الجديد. والأهم من ذلك، أنهم رأوا أنفسهم مرة واحدة فقط، وليس آلاف المرات.

بكى البعض على فقدان كمالهم المكرر، لكن القليل منهم، مثل أليف، شعروا بارتياح غريب. لقد تحرروا من سجن الانعكاس.

الفلسفة في الأسطورة:

هذه الأسطورة هي انعكاس رمزي (Metaphor) لـنظرية الكهف لأفلاطون، ولكنها تركز على خطر الانعكاس الذاتي المفرط وفقدان الأصل:

  المدينة (إيزوريا): ترمز إلى عالم الظواهر أو عالم الانعكاسات (Images) التي نختار تصديقها عن أنفسنا وعن العالم.

  المرايا (الانعكاسات): ترمز إلى المعتقدات، الأوهام، أو حتى وسائل التواصل الحديثة التي تضخم "صورنا" المثالية وتجعلنا نخلط بين الذات الحقيقية وصورة الذات التي نريد رؤيتها.

  المنارة: ترمز إلى السلطة أو الفكر المركزي الذي يضخم ويشرعن هذا الانعكاس الزائف كـ"حقيقة".

  أليف: ترمز إلى الفيلسوف أو الشخص الذي يطلب الأصل (The Real) بدلاً من الصدى (The Echo).

  الصدع/الظلال: يرمز إلى أن الحقيقة المطلقة (الوجود الأصلي) قد تكون غير مريحة (مظلمة أو مشوهة في البداية) وتتطلب منا الخروج من وهم الكمال المكرر لكي نرى الوجود كما هو، بظلاله وعيوبه.

الرسالة الجوهرية:

 الحقيقة لا تكمن في تكرار الانعكاس، بل في الشجاعة لمواجهة الأصل الوحيد، حتى لو كان غير كامل أو يلقي ظلالًا.






تعليقات