توفيق الدقن: الشرير الظريف وأسطورة "الباز أفندي" في السينما المصرية

 


​يظل اسم الفنان الكبير توفيق الدقن (3 مايو 1923 - 26 نوفمبر 1988) مرادفاً للشر المغلف بالكوميديا الساخرة. استطاع هذا الفنان أن يخلق لنفسه مساحة فريدة في السينما المصرية، متجاوزاً تصنيف "الشرير التقليدي" ليصبح "الشرير الظريف" الذي يُحب الجمهور إفيهاته ومفارقاته أكثر من أدواره نفسها.

النشأة والبدايات: من الملاعب إلى المسرح القومي

​وُلد توفيق الدقن في المنوفية، وكانت بداياته بعيدة عن خشبة المسرح، حيث مارس كرة القدم بنشاط. بتشجيع من فنانين التقاهم، قرر الدقن التفرغ لحلم التمثيل:

​الدراسة الفنية: التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية وتخرج منه عام 1950.

​الالتزام المسرحي: عمل في بداية مسيرته في المسرح القومي ثم المسرح الحر، ليصقل موهبته في الأدوار الجادة والعميقة، ويشارك في مسرحيات ذات قيمة مثل "الفرافير" و"سكة السلامة".

​سرعان ما انتقل إلى السينما، حيث ساعدته ملامحه الحادة ونظراته الماكرة في حصر أدواره في خانة اللص، النشال، أو البلطجي، لكنه أضاف عليها لمسته الساخرة الخاصة.

​ "ابن حميدو" (1957): ميلاد "الباز أفندي" وقمة الشهرة

​شكل فيلم "ابن حميدو"، للمخرج فطين عبد الوهاب، نقطة التحول الكبرى في مسيرة توفيق الدقن، حيث أطلق شهرته لآفاق غير مسبوقة:

​تفاصيل الدور والحبكة:

​الدور: جسد توفيق الدقن شخصية "الباز أفندي"، وهو العقل المدبر لعملية كبرى لتهريب المخدرات، ويتظاهر بأنه رجل أعمال "فهلوي" وسمسار.

​المواجهة الكوميدية: تدور أحداث الفيلم في السويس حول محاولات "ابن حميدو" (إسماعيل ياسين) وزميله "حسن" (أحمد رمزي) للتخفي كصيادين للقبض على عصابة الباز أفندي.

​الكوميديا المزدوجة: تألق الدقن في مشاهد المواجهة مع نجوم الكوميديا، خاصةً في صراعاته الكلامية مع عبد الفتاح القصري (الريس حنفي)، والتعقيدات التي خلقها لوقوع الضابط حسن في حب الفتاة عزيزة.

​الإفيهات الخالدة لـ "الباز أفندي":

​تُعد شخصية الباز أفندي منجم الإفيهات التي حفرت في الذاكرة الشعبية، ولا يزال الجمهور يقتبسها حتى اليوم:

​"يا آه يا آه": التعبير الأشهر للدقن، الذي يطلقه عند الغضب أو المفاجأة أو التفكير.

​"أحلى من الشرف مفيش": الجملة الساخرة التي يطلقها الشرير وهو يقدم أسوأ أفعاله، لتعكس الازدواجية الأخلاقية للشخصية.

​"نورماندي تو تو تو": الإشارة إلى اسم السفينة التي تغرق في أحد المشاهد الكوميدية الأيقونية.

​"ساقط توجيهي وبتاع كله": الوصف الساخر الذي يعلنه الباز أفندي عن نفسه بكل فخر.

​ إرث فني يتجاوز الشر

​رغم سيطرة أدوار الشر على مسيرته، فإن توفيق الدقن أثبت أنه فنان قدير قادر على التنوع والعمق:

​في الدراما التلفزيونية: تألق في دور "عتريس" الشرير في مسلسل "أحلام الفتى الطائر" (1978) مع عادل إمام.

​في المسرح: لم يتنازل أبداً عن موقعه في المسرح القومي، وظل ملتزماً بالدور الجاد والملتزم.

​في التنوع السينمائي: قدم أدواراً مميزة في أفلام خالدة مثل "ليل وقضبان" و**"الشيطان يعظ"**، كما فاجأ الجمهور بأدائه الهادئ والمختلف في فيلم "خرج ولم يعد" (1985).

​لقد شارك توفيق الدقن فيما يقرب من 400 عمل، وحصدت العديد من أفلامه إشادات نقدية، مؤكداً أنه كان نجم شباك في أدوار الشر بنفس القدر الذي كان فيه نجوم الكوميديا والرومانسية.

​النهاية والجانب الإنساني

​خارج الأضواء، كان توفيق الدقن إنساناً وديعاً ومسالماً، وكان يعاني نفسياً من التصاق الجمهور به كشرير وسكير في الحياة الواقعية، وهي الصورة التي سعى جاهداً لتغييرها. توفي الفنان القدير في 26 نوفمبر 1988 بعد صراع مع المرض، تاركاً إرثاً من الضحكات الساخرة و"إفيهات" تضمن له الخلود الفني.

تعليقات